بعد سنوات على انطلاقه في المجال الموسيقي، يقدّم بشار خليفة أول حفلة منفردة له في لبنان مساء الأحد في الـ «ميوزكهول» بدعوة من مهرجان «ليبان جاز». تعود أول أسطوانة سجّلها خليفة الى عام 2010. لكن الأمر استدعى سنوات طويلة وإصدار أسطوانة ثانية ثم ثالثة، لكي يشعر الفنان وعازف البيانو المقيم في باريس أن الوقت قد حان ليقدّم موسيقاه في لبنان ضمن أمسية منفردة. قبل أيام من موعد حفلته المقررة، شرح خليفة لـ «الأخبار» أنّ «الظروف كانت دائماً صعبة. ولي يد أنا أيضاً في الموضوع. شعرت أن الوقت لم يأت لأقدم عملي في لبنان. لكن أهم ما في الأمر أنني رغبت في تثبيت عملي وأن يأتي الناس للإصغاء الى موسيقاي لا من باب الواجب أو المظاهر». وتندرج الأمسية ضمن جولة يزور فيها عدداً من البلدان. من الطبيعي أن يركّز البرنامج على الألبوم الأخير، مع بعض من الاغنيات القديمة: «الحفلة دائماً شيء استثنائي، لأنها الأخيرة، على عكس الاسطوانة التي تسجلها في الاستديو. ستحدث مرة في لبنان، وهذا هو الجميل فيها».
كان من البديهي أن يدخل بشار خليفة مجال العزف والتأليف الموسيقي، نظراً الى الاجواء الفنية التي ترعرع فيها. يذكر: «عندما كنا نسكن في لبنان، كانت الموسيقى موجودة في المنزل من الصباح حتى المساء. كنت أرى أبي يؤلف على العود وأمي تغني طوال النهار، حتى وهي تعدّ القهوة. بدأنا نتعلم العزف على البيانو منذ كنا صغيرين أنا وشقيقي. وكانت الموسيقى شيئاً عادياً وليس استثنائياً ضمن جو المنزل. ثم دخلنا المعهد الموسيقي وتدريجاً، بدأ الناس يجعلونني أفكر أن الموسيقى أمر استثنائي. عندما تكبر، تتساءل إن كنت تريد حقاً دخول هذا المجال. وقررت ذلك بعد الانتهاء من الدراسة. كما أنني في هذه المرحلة، لم أعد أجيد العمل في أي مجال آخر. كنت أحب كرة القدم كثيراً عندما كنت أصغر. قد لا تكون الموسيقى الشيء الأخير الذي أفعله في الحياة وقد تكون طريقاً يؤدي بي الى مكان آخر».

من المضحك أن الناس يتعاركون في الشارع ولكنهم يدخلون الكنيسة بسلام (ب. خ)

الألبوم الثالث «يا بلد» الذي أصدره قبل أشهر حظي بحفاوة نقدية في الصحافة الأوروبية. في هذا الصدد، يعلّق خليفة: «الاوروبيون يحبون ثقافتنا وبلدنا في الإطار الفني طبعاً. يعرفون أن لبنان بلد منفتح على العالم واختلطت فيه الثقافات والحضارات، وهذا ما يثير اهتمامهم. ثم إن الظروف أدت الى ذلك. فأوروبا تصاب بالارهاب الآن. والناس بحاجة الى الفن ورؤية صورة عن الشرق مختلفة عن تلك التي يرونها في التلفزيون، بعيداً عن الكلام الحربي والتوتر. هذه هي قوة الموسيقى. هي أكبر من الكلام. لذا أظن أن أموراً عدة حدثت، وهذا الألبوم أثّر بشكل شخصي في الناس. عندما أغني أو أتكلم عن شخص أو أغني بالعربية، يشعرون بأن ذلك يتعلق بهم. إذا تكلمت عن الغربة، قد يشعرون أن ذلك يمسهم في حياتهم الشخصية».
لا يحبّ الفنان الحديث كثيراً عن مقاربته الموسيقية للأعمال التي يؤلفها. في نظره، هو ما زال يؤلف الأغنية نفسها تقريباً منذ أن بدأ: «ولكن طبعاً العمر يؤثر على العمل. أول أسطوانة سجلتها مع موسيقيين، والثانية سجلتها في مرحلة كنت أقيم فيها الحفلات. أما في ما يتعلق بالثالثة، فقررت للمرة الأولى أن أسجّل عملاً لي. لم أحضّر قبل أن أدخل الاستديو. عندما نعمل في وضع غير مريح ويكون الوقت المفروض علينا قصيراً، تكون النتيجة عملاً أكثر حقيقياً. لم أكن أعرف ما الذي سأسجّل ولا أي آلة ألجأ إليها. هي صدف ولكنها ليست ارتجالاً، بل تأليف سريع. لا أحب التفكير كثيراً. في الموسيقى يجب أن نحافظ على شيء من الحيوان، وليس من الانسان».
تضمّ أسطوانة «يا بلد» 11 أغنية، تخبر قصصاً شخصية وحميمة، أكثر منها قصة بلد بالمعنى الوطني أو الرمزي للكلمة. يعود خليفة في عمله هذا الى طفولته: «فالموسيقى تجمّل الأمور للطفل. طفولتي كانت في أيام الحرب. ولكني عشت تلك المرحلة بفرح. الطفل لا يشعر بالخوف. من تلك الطفولة أذكر العائلة والأصدقاء والفرح، وحاولت الحفاظ على هذه الأحاسيس. لذا سمّيت الالبوم «يا بلد» وليس «يا لبنان». فسحر الطفولة والموسيقى أهم من الحدود والسياسة. نشعر أحياناً أن قصتنا في لبنان وحيدة، ولكن هناك ناس آخرون يشعرون بالأمر نفسه. الشعر أقوى من القصص الصغيرة».
الألبوم مطبوع برائحة طفولة بشار، وبالكثير من الحنين والحب ومزيج من الأساليب الموسيقية من بوب وجاز وشرقي. كما يحتلّ التراث الديني مكانة لا سيما في مقطوعة «كيريالسيون»: «اللبناني له علاقة قوية مع الدين. وبالطبع نحن نملك تراثاً دينياً ثقافياً مهماً. ما زلت أدخل الكنيسة حتى اليوم لأنني أحب الصمت الذي يطبعها، إلى جانب والتراتيل والجو. من المضحك أن الناس يتعاركون في الشارع ولكنهم يدخلون الكنيسة بسلام. أحب هذا التناقض. من ناحية أخرى، أجد أن علاقة الناس بالدين بات ينقصها الضحك. اليوم الكلام عن الدين يشكّل خطراً. في الماضي، كان الدين في الضحك والعرق والسهر. وكان أمراً طبيعياً ولم يفكروا فيه كثيراً. أنا انسان أشك، والشك أقوى فنياً. فأطرح الأسئلة في كل شيء. الدين أيضاً يسائل العلاقة بالأب. المسيح أيضاً خاف وشك. لسنا أكبر مما نحن. نحن ناس ضعفاء نحب ونشك ونكون أقوياء ونطرح الأسئلة. وأهم شيء في الفن هو الشك. إذا توقفنا عن السؤال، تنتهي الانسانية. الموسيقى ولدت مع الانسان وهذا أمر لا يمكن أن نوقفه».

* بشار خليفة: 21:00 مساء الغد الأحد ـــ «ميوزكهول» (بيروت) ـ للاستعلام: 01/999666