ندّد كتاب «التطييف والمذهبة: السياسات الجديدة في الشرق الأوسط» (Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East) الذي صدر أخيراً عن «دار هيرست» (لندن) وحقّقه الأستاذان في «جامعة دنفر» الأميركية نادر هاشمي وداني بوستيل، بمحاولات الجهات الساعية إلى الهيمنة على العالم العربي والإسلامي، تقسيم هذه المنطقة طائفياً وإثنياً وقبلياً.


محاولات تتمثل في توقيد المشاعر السلبية والحساسيات الدينية وتحريض المسلمين السنّة على الشيعة والمسلمين عموماً على الأقليات لتحقيق الغايات السياسية والاقتصادية على حساب شعوب وأبناء هذه المنطقة لاستغلال خيرات بلدانهم الطبيعية.
يقول هاشمي وبوستيل في مقدمة الكتاب الذي شمل مقالات لاختصاصيين آخرين بارزين إن قيادة الرئيس الإيراني الراحل الهاشمي رفسنجاني ومن بعده الرئيس محمد خاتمي (بعد وفاة آية الله الخميني) حسَنَت العلاقة بين إيران ودول الخليج العربية. لكن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وضع المنطقة على بركان، وأسهم في تغذية الخوف والقلق، وأدى إلى نشوب صراعات مذهبية وطائفية في المنطقة. لكنه في الوقت عينه لعب دوراً في تصاعد دور المقاومة ضد الاحتلال في المنطقة عموماً، وفي لبنان خصوصاً، بقيادة «حزب الله» الذي نجح في طرد إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 والصمود في مواجهة نظام تل أبيب في حرب عام 2006.
في تلك المرحلة، بدأ خصوم المقاومة في المنطقة (حسب المؤلفين) بالترويج لنظرة «الهلال الشيعي» أي التحالف القائم بين إيران والعراق وسوريا ولبنان وبضرورة مواجهته. كما اختلقوا مفهوماً آخر سمّوه «المارد السنّي» الذي عليه أن يواجه هذا الهلال. صارت الدول العربية المؤيدة لأميركا والغرب تتسابق لتزعم هذه الجبهة وتوقيد الصراع السني - الشيعي في المنطقة وشيطنة إيران باعتبارها قائدة المحور الشيعي.
يقول المؤلفان إنّ المقاربة الأساسية في هذا الكتاب هي أنّ الطائفية والمذهبية ليستا العاملين الأساسيين المؤديين إلى عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، بل إنّ «تطييفاً» أو «مذهبة» فُرضتا على شعوب الشرق الأوسط لدعم استمرار أنظمة استبدادية تسلطّية يقودها حكام فاسدون يقتتلون في ما بينهم لكسب ولاء الدول الأجنبية المهيمنة على المنطقة وعلى خيراتها، والتي تدعم استمرار هذه الأنظمة وزيادة تسليحها (وحالياً إثارة الخلافات في ما بينهما).
يعتقد محقّقا الكتاب أنّ نهاية الحروب والنزاعات في المنطقة ستؤدي إلى اضعاف هؤلاء الحكام واهتزاز عروشهم، فيما هم يشنّون الحروب على الآخرين وعلى بعضهم الآخر لمصلحة الدول الكبرى وتستفيد منها إسرائيل.
يشمل الكتاب مقالات لمجموعة من أبرز المفكرين العرب والشرق أوسطيين في هذه المرحلة، تناول كل منهم منطقة مختلفة. هكذا، ركزّ الأستاذان اسامة المقدسي ويزيد صايغ على المنطقة عموماً، وباسل صلوخ على لبنان، ووالي نصر على باكستان، وفنار حداد على العراق، وباولو بينتو على سوريا، واسكندر بروجردي على إيران، وستايسي بايداف على اليمن، وتوبي ماتيسون على البحرين، ومادلين ويلز على البحرين.
وسنركّز في هذا المقال بشكل خاص على ما قالته مضاوي الرشيد (1962)، الأستاذة الزائرة في كلية (LSE) في «جامعة لندن» عن السعودية وعمن سيقود العالم العربي بعد «ثورات الربيع العربي».


تجاوز لبنان مرحلة العنف عن طريق التفاعل الاجتماعي والسياسي بين الفئات المختلفة

في ندوة جرت في معهد متخصّص في الشؤون الدولية في لندن (بريطانيا) أخيراً لتقديم الكتاب، أشارت الرشيد إلى أنّ المملكة العربية السعودية وإيران تتنازعان حالياً على قيادة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وأنّ الصراع بينهما سياسي في الدرجة الأولى، قبل أن يكون مذهبياً بين السنة والشيعة المسلمين كما يرغب بعضهم في تصويره.
واعتبرت أن كلاً من الدولتين تشعر بحذر إزاء المعارضين فيها من أبناء المذهب الرئيسي المنتشر على أراضيهما. وبالتالي، فالنظام السعودي يخشى تصاعد دور «حركة الإخوان المسلمين» ذات الأكثرية السنّية فيما تُحذرُ الجهات المحافظة في إيران إزاء الجهات الإصلاحية فيها من نفس المذهب إذا انتقدتها.
واعتبرت الرشيد في مداخلتها في الندوة في لندن وفي فحوى مقالها في الكتاب أنّ الجهتين تسعيان لإبراز نفسيهما على أنّهما تقودان المنطقة نحو الأفضل. لكنها رأت في الوقت عينه أنّ تصعيد الحروب المذهبية والطائفية في المنطقة يخدم في النهاية مصالح الدول الكبرى وإسرائيل التي ترغب بمواصلة الهيمنة على أنظمة المنطقة وشعوبها وعلى خيراتها الطبيعية. وهذه الحروب ليست برأيها أكثر من «حروب بالنيابة» (Proxy Wars) يُستخدم فيها الدين لتوقيد مشاعر الكره بين أبناء الوطن الواحد لأهداف سلبية.
تُعتبر الرشيد مُعارضة للنظام السعودي الحالي من منطلق أكاديمي ولها مؤلفات بارزة عديدة.
ورأت في مقالها في الكتاب أن قادة السعودية عموماً، اعتمدوا خطة مزدوجة المعايير والأسلوب في التعامل مع شعبهم. اذ سمحوا لرجال دين متطرفين في بلدهم بشنّ حملات طائفية ذات طابع «سني» ضد «الشيعة». من جهة أخرى، شجعوا وسائل الإعلام التي يدعمونها ويموّلونها على اتخاذ المواقف المعتدلة نسبياً المُعارِضَة للطائفية وللمذهبية، ولكن الجهتين دافعتا عن النظام القائم وكل جهة منهما بطريقته.
وأشارت الرشيد إلى أنّ الهدف من هذه السياسة كان السيطرة على جميع أوجه المعارضة، سنيّة كانت أم شيعية، وإلى إبراز الدولة كوسيط بين هذه الجهات المتخاصمة وأنها دولة راغبة في منع التطرف، من جهة، لكنها الضابطة لتحركات جميع الفرقاء إذا كانت تحركات سلبية، من جهة أخرى.
هذا الوضع ــ برأي الرشيد ـــ يبقي الجو العام في البلاد في حالة خوف، فالسنّة فيه يخشون الشيعة والشيعة يقلقون إزاء السنّة، وتفقد أي جهة (سنية أو شيعية) القدرة على معارضة النظام ومحاسبته على أخطائه ديمقراطياً وشعبياً وسلمياً.
الخطر الأقوى على النظام السعودي وعلى أنظمة منطقة الشرق الأوسط عموماً، بنظر الرشيد، هو انطلاق معارضة سنيّة - شيعية موحّدة ومتوافقة في رغبتها في تحقيق الإصلاح، ومثل هذه المعارضة يصعب قمعها، على حد تعبيرها.
وبالتالي، إذا لم تتواجد هذه المعارضة الفاعلة، سيظل الشعب يعتقد بأنّ النظام الحاكم يُشكّل الوسيلة الأمثل لضبط الأمور وحماية أبناء البلد من رجال الدين المتطرفين، من جهة، ومن المنظمات الإرهابية المسلحة، من جهة أخرى.
وهكذا، فبنظر الرشيد أنّ الهدف من إثارة الحقن المذهبي والطائفي هو الاحتفاظ بالسلطة وليس الدفاع عن هذا المذهب أو المذهب الآخر أو عن التطور نحو الأفضل.
وفي الفصل الأخير من الكتاب، الذي كتبه الأستاذ في الشؤون الدولية في «جامعة دنفر» تيموتي سيك، أكّد سيك أنّ إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط لا يمكن اعتباره حلاً لمشاكل المنطقة، لكن من الضروري إعطاء دور أكبر لمنظمات المجتمع المدني في جميع دولها وتوسيع وسائل المشاركة ومجهود المنظمات الدولية في حل النزاعات وخلق اللحمة الاجتماعية والسياسية.
والأمر الأسوأ ـ برأيه ـ هو تفاقم وتزايد العنف. فالعنف يزيد الشحن المذهبي والطائفي، فيما التفاعل بين المجموعات المذهبية والطائفية يخفّف من الاحتقان والكره والحقد بين المجموعات. ولهذا السبب، فإن الجهات التي ترغب في استمرار الوضع السلبي في المنطقة تسعى لاستمرار الحروب وممارسات العنف والتسلح والاعتداء على الآخرين.
واعتبر سيك لبنان كمثال لبلد مَرَّ في مرحلة عنف كبير وخطير وتمكن من تجاوزها (إلى حدّ ما) عن طريق التفاعل الاجتماعي والسياسي بين الفئات المختلفة في هذا البلد، فيما تسعى قيادات دول أخرى في الشرق الأوسط الى «ارتكاب» أحداث تؤدي الى المزيد من العنف كإعدام قادة مجموعات دينية ومذهبية أو قمعهم والتنكيل بهم واحتقارهم.
كما اعتبر أنّ مثال إيرلندا الشمالية مفيد في هذا المجال: بعد عشرات السنين من الاحتقان الطائفي هناك، نجح سكان هذه المقاطعة - الإقليم في التوصل إلى حل سياسي وارتضوا بالمشاركة في السلطة فاستقرت الأمور بينهم. وهذا أمر يمكن تحقيقه في الشرق الأوسط، وعملية البدء في هذا المجال يجب أنّ تنطلق في سوريا على حد قوله.