أحدث الإضافات إلى مدرسة السينما التي تقوم على استدعاء جمهور المستهلكين لمشاهدة نجومهم المفضلين بغض النظر عن الشخصيات التي يلعبونها هو فيلم «حلفاء» Allied الجديد لروبرت زيميكس. من جديد، ينجح الأخير ـــ في مقياس شباك التذاكر حصراً - في تقديم فيلم يكتسب بسرعة شعبية عالميّة واسعة. والسر طبعاً توقيت الفيلم أساساً، لا مجرد حضور النجم براد بيت، معبود النساء.


الجمهور يتقاطر على الصالات في العواصم ليفهم سحر «الكيمياء» العجيبة بين بيت والفنانة الفرنسية ماريون كوتيّار، مما يمكن أن يقدم تفسيراً (ملموساً إن صح التعبير) لسر الانفصال الأشهر هذا القرن بين ثنائي هوليوود الذهبي أنجلينا جولي وبراد بيت. ثنائي دخل سوق الثقافة الشعبية المعاصرة بوصفه ظاهرة عجيبة يتابعها ملايين المتلقين حتى أطلقت عليه الصحافة اسماً متفرداً: برانجلينا.
يقول الخبثاء في لندن إنّ الانفصال حدث بينما كان بيت يصوّر فيلم «حلفاء» الذي يروي قصة غرام حار بين جاسوسين كندي وفرنسيّة. وبحسب السرد، كان لزاماً كي تنجح خطة الجاسوسين لتصفية قائد نازي في كازابلانكا (المحتلة من الألمان) أن يتظاهرا بأنهما زوجان عاشقان، وبالتالي وخوفاً من خطر كشف خطتهما كان عليهما أن ينخرطا في عناقات ملتهبة صوتاً وصورة. تلك العناقات بالذات بدت كأنها انطلاقة شرارة التفاعل «الكيميائي» القاضية، التي أطاحت – في ما أطاحت به - بالبرانجلينا، وبقلب بيت، رغم الأولاد الكثر والمنزل العائلي الفاخر والفواتير المشتركة والتاريخ الحافل مع السيدة جولي.


استعارات كثيرة من
فيلم الجاسوسية الكلاسيكي الشهير «كازابلانكا»


يقدم الشريط مشاهد غرام شبه كاملة بعد تطور العلاقة بين البطلين اختلف الخبراء في تقييمها. بعضهم قال إنّها كيمياء تامة بين بيت وكوتيّار، بينما اعتبرها آخرون مفتعلة تفتقر إلى الاشتعال الذي تحتاج إليه القصة بشدة لضعف بنائها. لكن تلك المشاهد كانت كافية - فيما يبدو - لإثارة نقاشات حادة بين جمهور البرانجلينيين حتى إنّ النجمة الفرنسيّة اضطرت في العرض الأول للفيلم لنفي وجود أي علاقة حميمة ببراد بيت، ووصفت - بلباقة - المشاهد الغراميّة الساخنة بينهما أثناء التصوير بأنها كانت لحظات جداً غريبة وغير مألوفة. على أن العارفين بالشؤون البرانجلينية يقولون إنّ قلق السيدة جولي مبرر، لا سيما أنّها شخصياً التقت بأزواجها الثلاثة السابقين - بمن فيهم بيت - بعد أفلام شهدت مشاهد عاطفيّة بين البطل والبطلة. وللتذكير فقد كان الثنائي برانجلينا الجميل قد تورط في العلاقة الشهيرة بينهما بعد مشاركتهما في فيلم تافه اسمه «السيدة والسيد سميث» حيث البطلان يلعبان دور قاتلين مأجورين يتزوجان من دون أن يعلم أي منهما بطبيعة عمل الآخر، قبل أن ينتهيا وهما يحاولان قتل بعضهما بناء على طلبات متعارضة من زبائن هامين.
كازابلانكا كمكان لإطلاق أحداث الفيلم يجبرنا بالتأكيد على استعادة فيلم الجاسوسية الكلاسيكي المعروف لإنغريد بيرغمان وهمفري بوغارت «كازابلانكا» (١٩٤٢ - إخراج مايكل كيرتز). في «حلفاء»، استعارات كثيرة من روح ذلك الفيلم وأجوائه الساحرة، وإن كان الفرق الأساس يكمن في كون كازابلانكا كان دعوة بروباغندا من أيام الحرب الباردة لحمل السلاح في مواجهة الفاشية والديكتاتوريّة، بينما ينتهي «حلفاء» إلى تفضيل الانسحاب من الحروب والقتل المتبادل إلى أجواء الحياة المنزليّة الجميلة السعيدة.
القصة في «حلفاء» دراما جاسوسية تاريخية تأخذنا إلى ١٩٤٢، عند إسقاط العميل الكندي ماكس فاتان (براد بيت طبعاً) بالباراشوت خلف خطوط العدو في كازابلانكا - المحتلة من الألمان - لتنفيذ عملية اغتيال لأحد القادة النازيين الكبار. يكون على العميل ماكس العمل على تلك الخطة بمساعدة ماريان بوسجور، العميلة الحسناء من المقاومة الفرنسيّة (بالتأكيد ماريون كوتيّار). تتطلب العمليّة غطاء للجاسوسين كزوجين متحابين، لكن تلك الواجهة الخادعة ما تلبث أن تورط العميلين في علاقة عاطفيّة خطرة. ويبدو أن العميل ماكس لم يقنع كثيراً في بادئ الأمر بقدرات العميلة ماريان. لهذا فهو لم يستمع جيداً عندما قالت له إنّ سلاحها في عالم الجاسوسيّة «قدرتها على أن تظهر عواطفها كأنها حقيقية».
يبدأ الفيلم إذن في أجواء العبث الاستخباراتي في كازابلانكا، وتمتد هذه البداية بلا داع درامي حقيقي لتأكل نصف وقت الفيلم، وتشهد حصول أول مواجهة غراميّة بين البطلين في سيارة كلاسيكيّة وسط عاصفة رمليّة (لزوم النفس الاستشراقي المقيت الذي لا بد منه).
تنجح عمليّة الاغتيال، ويفر العميلان سالمين إلى لندن ليتوجا علاقتهما الملتهبة بالزواج رغم نصائح الزملاء بأن رفقاء المهنة لا يتوفقون عادة في علاقات دائمة. تنجب ماريان طفلة (شديدة الجمال دون شك) تحت قصف الطيران الألماني المكثف للعاصمة البريطانيّة، وهما ينتقلان للعيش بهدوء في شقة رائعة في قلب إنكلترا الجميل. لكن العلاقة لا تستمر لتصبح نهاية سعيدة أخرى. ما يلبث أن يظهر قائد القسم الخامس في الاستخبارات البريطانية (يلعب الدور سايمون ماكبيرني)، ليخبر العميل الكندي البهي الطلعة بالحقيقة المؤسفة: زوجته الفرنسيّة ربما تكون عميلة ألمانية! يكون على ماكس أن يقتل زوجته، وإن لم يفعل، فسيعدم هو شخصياً بتهمة الخيانة العظمى! هكذا يتقاتل البطلان في عش الزوجيّة قبل أن يتفقا على أن يتمردا على مشغليهما، ويدخلا في مشهد غرامي عاصف، لا بد أنه كان المشهد الذي قصم ظهر البعير مع السيدة جولي.
يحتاج ماكس إلى القيام بعمليّة أخرى خلف خطوط العدو للتأكد من حقيقة زوجته. من أجل ذلك يقفز بالطائرة إلى فرنسا هذه المرة، لكن نتيجة العمليّة الفرنسيّة ربما لا تكون إيجابيّة للعميل ماكس كما كانت له عمليّة كازابلانكا.
غير القصة المفتعلة في سياق تاريخي مسروق، والالتباسات السياسيّة (كتب السيناريو ستيفن نايت)، فإن الفيلم تقنياً ممتاز، يعكس حرفيّة مكتملة في الإخراج والسينوغرافيا لمخرج كبير مثل زيميكس (أخرج أفلاماً هامة مثل «فورست غامب»)، نجح في خلق أجواء نوستالجية جذّابة عن تلك الفترة من التاريخ، وتألق في عرض أزياء من المرحلة - على الأقل عندما كان البطلان يظلان محتفظين بملابسهما في الأماكن العامة!
«حلفاء» كان - جدلاً - فيلماً عن «التاريخ»، لكنه انتهى كاستعراض عن «الكيمياء». للحقيقة، فإن سحر الكيمياء كان قادراً مجدداً على جلب الجمهور إلى شباك التذاكر، والسيدة أنجلينا جولي أثبتت أنها حتى في غيابها كانت قادرة على ملء جيوب المنتجين بأكوام من الدولارات، فالفضول أيها السّادة يكلّف مالاً.

Allied: «غراند سينما» (01/209109) ــ «أمبير» ( 1209) ــ «فوكس» (01/285582)