في رواية «حي الأميركان» للكاتب اللبناني جبّور الدويهي، ثمة رجل ينهض في الصباح الباكر ويجلس خلف التلفزيون، ويشاهد المصارعة الحرّة للنساء يومياً. قبل الغرق في أي تحليلات بنيوية للرواية المسبوكة بحرفة، التي تدور معظم أحداثها في شمال لبنان، يمكن التوقف ملياً عند الدلالات البالغة التي تثيرها لقطة الكاتب اللبناني.


علاقة الرجل بالنساء اللواتي يظنّ أنهن يتقاتلن لأجله، ولمتعته الشخصية، بصفته سيد العنف وصاحبه. صاحبه الذي يستغربه حين يصدر عن كائنٍ يفترض أنه أضعف منه، آخذين في الاعتبار الإحالات الفيتيشية التي يمكن استنتاجها من تصرف أحد أبطال «حي الأميركان»، وهي إحالات لا تخلو من العنف بدورها. أما مشاهدة بروموشن جمعية «أبعاد» الموجه ضدّ المادة 522 من قانون العقوبات اللبناني التي تشرّع الاغتصاب، فلا دلالات فيه إلا لتسويغ العنف، واستجداء العطف من المُهيمِن، بتثبيت المرأة في مصاف الضعف الذي يضعها فيه النظام الأبوي.


مسايرة المؤسسة
الدينية واستيراد المنهج الغربي في تقييم الحقوق
قبل كل شيء، يتوجب التوضيح أن المادة الكارثية تنصّ على أنّه «إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل (الاغتصاب - اغتصاب القاصر - فض بكّارة مع الوعد بالزواج - الحضّ على الفجور - التحرّش بطفلة - التعدّي الجنسي على شخص ذي نقص جسدي أو نفسي...) وبين المُعتدَى عليها، أوقفت الملاحقة وإن كان قد صدر الحكم بالقضية، علّق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه». ما يعني أن المادة الكريهة لا تشرّع الاغتصاب وحسب، بل تشرّع الهيمنة الذكورية بكافة أبعادها. فلنعد إلى البروموشن الرهيب لجمعية «أبعاد»، الذي يُظهر امرأة تكبّل بالأبيض على فستانها، الذي يرمز إلى الزواج، وتكال إليها الضربات بقسوة. الخطأ الأول، هو تبرئة الزواج، واعتباره ذريعة، أي التعامل معه كأمر واقع، لا يجب أن يستخدم من أجل العنف. بالعامية، من قال إن الزواج يكون بين طرفين غير متساويين: رجل قوي وامرأة ضعيفة، كما يوهمنا إعلام «أبعاد»؟ علينا أن نفترض أيضاً، أنّ البروموشن موجه للضحية، والضحية المحتملة ــ وهي محتملة في أي لحظة بمعزل عن سطحية البروموشن ــ التي يتوجب عليها الرفض. رفض الاغتصاب والتحرّش والاعتداء، قبل أن ترفض المقدّس الذي يفترض القانون والسائد أنه بصيغته الحالية يقود إلى الاغتصاب كمنتج من منتجات العنف. حسب الفيديو، عليها أن ترفض، ولكن من موقعٍ تابع. وإذا سلّمنا أن الفيديو الدعائي للجمعية مباشر ويخلو من أي حيلة سيميائية، وهذا ما يمكننا التسليم به من دون صرف أي جهد يذكر، يمكننا توقع ردّ فعل بالصيغة نفسها. رد فعل يكون مباشراً وصدامياً. فالرجال أيضاً، هم سجناء أنفسهم، وسجناء ذكوريتهم، التي تهيمن عليهم، وتهيمن على المجتمع. الرجال أيضاً، الذين يغيبون عن الفيديو، هم ضحايا ــ ولكن بتكتم ـ للتمثيل (الذكوري) المهيمن، الذي يقوم على تطبيع اجتماعي طويل. وبالنسبة إلى الذي أعد الفيديو، كان بيار بورديو يهذي عندما تحدث عن «هيمنة ذكورية»، وليس هناك أي حاجة للدلالة إلى المجتمع أو إلى المقدّس. بالنسبة إلى منتج الفيديو، ومُنتج العنف والمحرّض هذا، الاكتفاء بالعنف يكفي، العنف بما هو مركب آدمي نهائي. إحدى أبرز كوارث الفيديو أنه ينظر من زاوية واحدة، من زاوية رجولية إلى مسألة نسوية. ولولا الشعارات التي تدعو إلى إلغاء المادة 522، لكان معظم المشاهدين افترض أن هذا الإعلان الترويجي وظيفته إبداء القليل من العاطفة مع الضحية التي يصورها العمل ضعيفةً وهشة ومحطمة تنهال عليها الضربات، ومسح الدموع في نهاية المشاهد، ومتابعة الحياة على نحوٍ طبيعي، بعد إبداء القليل من التعاطف. وهنا المأزق الكبير، هذه جمعية نسوية، فلنتفق على أنها تسمّي نفسها كذلك. جمعية نسوية تستجدي التعاطف من المجتمع ومن القانون والأخطر من ذلك من نظام الهيمنة نفسه. هكذا، ببساطة، نجد أنفسنا أمام خدمات مجانية وسخية للهيمنة الذكورية بمعناها البنيوي، وحتى على مقياسٍ أبسط في معناها العادي والمجرد.
يجب فهم مسألة أساسية. النساء اللواتي يخضعن لعمل تنشئة اجتماعية يرمي إلى تصغيرهن وإنكارهن، وتالياً ما يجعل الاغتصاب حدثاً مسوغاً تحت ذريعة المقدّس، أو تحت ذريعة الهيمنة ــ وهنا مكمن الخطورة في الفيديو الذي يصبّ زيتاً على النار ــ يتمترسنّ خلف ما يسمّيه عالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، «الفضائل السلبية» في التفاني والخضوع والصمت. وهذا ما لم تفهمه جمعية «أبعاد»، ومن خلفها مؤسسة فكرية عميقة، ترفد معظم الجمعيات النسوية الناشطة حالياً في لبنان بالكسل الفكري النيوليبرالي الذي يميّع الحقوق ويمجها لتخرج على شاكلة هذا البروموشن. إنها مؤسسة ترتكز إلى مستوردات لا تقيم أي وزنٍ للأنتروبولوجيا في أقل تقدير. صحيح أننا تجاوزنا الحداثة، وأن الاحتكاك الثقافي هو نمط من أنماط التغيّر الاجتماعي، بحيث لا يختلف عنه في الطبيعة، إنما في الدرجة، لكن لا يمكن النظر إلى المرأة من منظار نظرة العقل الغربي الاستشراقي. وفي الواقع، مهما كانت النظرة إلى الاستعمار، سواء كان تغيراً اجتماعياً، أم تحديثاً كما تتعامل معه الجمعيات النيوليبرالية، فإن ذلك لا يلغي أن الأولوية يجب أن تبقى للتحديث الذاتي النابع من المجتمعات التي كانت ضحية الاستعمار مباشرة، وما زالت ضحيته حين تتثاقف بجمعيات لا تستند إلى البحث العلمي والأنتروبولوجي.
هكذا، نجد أنفسنا أمام عاملين أساسيين يجعلان الفيديو الترويجي لـ «أبعاد» حدثاً كارثياً. الأول، هو مسايرة المؤسسة الدينية التي تقف خلف التشريع والزواج في الأساس، بالقبول بمسلماتها، والثاني، هو استيراد المنهج الغربي في تقييم الحقوق ومعادلتها على أساس غربي، قبل قراءة المكوّن الديني وتأثيره في المجتمع الشرقي. وتشابك هذين العاملين، يقدّم لنا عملاً مائعاً مثل هذا البروموشن الذي يختصر نظام الهيمنة الذكورية بالعنف، ويختصر المرأة بالضعف. وللمناسبة، حسب عالم الاجتماع الفرنسي، رينيه جيرار، الضحية التي تلقى عليها كل تناقضات المجتمع، تبدو ــ في نهاية المطاف ـ أنّها ليست في تمام الإنسانية. وكي لا يكون النقد هلامياً، لـ «أبعاد» وغيرها، يتوجب التوضيح أن المشكلة ليست في مادة قانونية سيئة، إنما في شق أساسي، في مبحثنا هذا، وهو علاقة المقدّس الذي يغلّف التشريع ويغلف الزواج. والمقدّس لا يقبل التجزئة، وهذا وارد في إشارات كلاسيكيات البحث السوسيولوجي، من دوركهايم إلى جيوفنز وروبرتسون سميث وكونراد ثيودور بروس، ما يوجب البحث هنا، جدياً، في أنماط جديدة من الخطاب النسوي، لا تنتهي على هذا النحو التسويغي المريع للعنف الذكوري.
في دراسته عن الإنسان والمقدّس، وأثناء بحثه في مسألة الجنس والمقدّس، يبحث روجيه كايوا بتأنٍّ في طقوس التطهير الجنسية لدى إحدى القبائل (التونغا). وبهدف الإضاءة على ميزات المقدّس الأساسية بطريقةٍ وصفية وواقعية خالصة، وتحليل مجموعة محددة من الطقوس في تلك الحضارة، يحاول إظهار فرادة المفاهيم التي تفترضها الطقوس، بحيث يمكن التحقق من فعالية المقدّس، والتباساته، كما يتضح أنه فتّاك ومعرض للزوال. الرحلة شاقة ولكن المقدّس قابل للتفكيك، فلماذا توضع فوق المرأة قيود فوق قيودها، لماذا يبقى المقدّس مقدساً، وتقبل المرأة بالثوب الأبيض، ولماذا عليها أن تقبل العنف، وتستجدي رفضه، عندما يكون بالإمكان التخلص من المقدّس الذي هو مطية العنف. فالعنف بحدِ ذاته قد يكون نهائياً أيضاً. وقد يكون عالم الأحياء البريطاني توماس هيوكسلي على حق حين قال إن حقيقة العلاقات الإنسانية والمجتمع هي التي تظهر في حالات العنف الشديد، ولكن، لأنها لا تطاق، فإن الضرورة تقتضي بالتخلص منها، مما يؤكد أن بعض وظائف العنف التأسيسي الجوهرية هو طرد الحقيقة ووضعها خارج المجتمع. الحقيقة، في حالة المادة 522 المحرّضة على العنف، هي أن الخروج من القانون العنيف لا يكون من الباب الخلفي، أي بإلغاء المادة، بل بنسف الهيمنة من أساسها.
أول ما قد يشعر به مشاهد الفيديو أنه تعرض لموجة عنف هزلية. وهذا على سبيل النكتة. ولكن الموضوع لا يحتمل النكتة، هناك ضحايا من النساء، اللواتي لا يمكنهن القبول بهذا الموقع الذي يضعهن فيه النظام الأبوي، وينسخه بروموشن «أبعاد» نسخاً بالغ الدقة. موقع الكائن الأضعف، الذي يجب أن يبقى ضعيفاً، لا بل حسب «أبعاد»، يجب إضعافه كرمى لعيون قداسة «الفستان الأبيض»!