لم يحتج برنامج «الأسبوع في ساعة» الذي تعرضه قناة «الجديد» مساء كل أحد إلا إلى دقائق قليلة كي يستفز مناصري الحزب السوري القومي الاجتماعي، على خلفية عرضه في أول الحلقة الماضية مادة تلفزيونية أطلق عليها اسم «وثائقي» تناولت سيرة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رياض الصلح منذ نشأته حتى اغتياله.


وبعيداً عن منافاة ما عرض لأبسط تعريفات العمل الوثائقي، ودقة أو عدم دقة المصطلحات والمعطيات التي وردت فيه، فإنّ النقطة الأهم التي تستحق التوقف عندها هي أنّ المادة التلفزيونية التي لم يكن لمرورها على الهواء أي ارتباط بمضمون الحلقة أو بضيوفها، لم تكن أصلاً من إعداد فريق عمل البرنامج وتنفيذه، بل إنّ جهة ما (على الأرجح الوزيرة السابقة ليلى الصلح حمادة) هي من تولت المهمة.
بمعنى آخر، فإنّ برنامجاً رصيناً يفترض أنّه يقدم للرأي العام مضموناً غير موجّه تنازل طواعية عن دوره وتحوّل لأكثر من عشر دقائق الى صندوق بريد ينقل للمتلقي مادة إعلانية بحتة هي عبارة عن دعاية سياسية واضحة المعالم، من دون أن يكلف نفسه حتى عناء الإشارة الى الأمر، علماً بأنّ الاشارة لم تكن لتكفي كي يتحول الحرام الإعلامي الى حلال، وخصوصاً أنّ للإعلانات، وتحديداً السياسي منها، أماكنها وشروطها.
على العموم، فإن ما قام به «الأسبوع في ساعة» لم يكن استثناءً للقاعدة، بل امتداداً لنهج اللامبالاة السائد في غالبية البرامج المشابهة. ولعل البرنامج السياسي الأشهر في لبنان «كلام الناس» هو أصلح مثال في هذا الخصوص. عدا التقارير التي يعرضها في الكثير من الأحيان ــ بمناسبة وبغير مناسبة ــ لرجال أعمال ومؤسسات خاصة (ولو كان للعديد منها طابع اجتماعي وخيري) وعدا الفقرات وأحياناً الحلقات التي يخصصها لضيوف لا يمكن وضعهم إلا في خانة الـ«متمولين»، يكفي لناقد محايد أن يقارن بين أي من المقابلات في برنامج كبرنامج «هارد توك» على «بي بي سي»، ومقابلات مارسيل غانم مع سياسيي الصف الأول ليدرك حجم الفارق الشاسع في الشكل والمضون بين المفهوم اللبناني للحوار السياسي والمفهوم الفعلي. في مقابلة غانم مع النائب سليمان فرنجية قبل نحو أسبوع من الانتخابات الرئاسية، ختم المحاور حلقته بأبيات غزل بالضيف كتبتها إلهام سعيد فريحة وتضمنت عبارات من وزن «واثق الخطى يمشي مارداً». وفي مقابلته مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في باريس قبل نحو ثلاثة أعوام، تضمنت الحلقة مداخلة شعرية للحريري عبر «سكايب» مع أعضاء كتلته النيابية المجتمعين في بيروت تحدث فيها عن مشاريعه وخططه لمساعدة مدينة طرابلس من دون تدخل نقدي حقيقي من غانم.
أياً يكن، فإذا كانت الدعاية المموّهة في «كلام الناس» أو «الأسبوع في ساعة» يمكن أن توصف بالخطيئة، فإنّ وصفها بأمّ الكبائر عندما تصل الى نشرات الأخبار لا يحمل أي نوع من المبالغة، وخصوصاً أنّ عرض أو عدم عرض أي خبر في النشرة يجب أن يخضع لمعيار واحد لا شريك له هو مدى أهميته أو فائدته للرأي العام. وعليه، لا يمكن مثلاً في الولايات المتحدة الأميركية لمسؤول سابق ولو كان من وزن كولن باول أو دونالد رامسفيلد أن يستقبل مجموعة من الأشخاص في مكتبه، ثم يدفع مبلغاً من المال لأصغر محطة محلية محترمة ــ لن نقول «سي أن أن» كي لا نكبّر الحجر ــ مقابل عرض الاستقبال كمادة خبرية. أما في لبنان، فالمعيار مختلف وقوامه واضح: «معك قرش بتسوى خبر». وكلما زادت قروشك، زادت مساحة خبرك وزادت إمكانية طرد المواد الإخبارية الحقيقية لمصلحته.
من هذا المنطلق، وبينما تجاهد الكثير من المجموعات لحجز مكان لقضاياها ومشاكلها على الهواء، يشقّ بسهولة كل شريط افتتاح تقصّه الوزيرة السابقة ليلى الصلح حمادة مكانه ليصبح تقريراً إخبارياً على أكثر من شاشة، ومثله اجتماعات الوليد بن طلال في شركته القابضة، وتكريمات نائب رئيس الحكومة الأسبق عصام فارس في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال لا الحصر.
لكن من يدري، فربما يكون أصحاب المحطات التلفزيونية والقائمون عليها على حق في مقاربتهم للمسألة. ففي عصر تحكمه المادة، لكل شيء ثمنه، وحجز الهواء على الشاشة هو تماماً كحجز طاولة في مطعم أو غرفة في فندق.
هل سمع أحدكم يوماً عن طاولة أو غرفة تحجز بالمجان؟!
* إعلامي لبناني