تونس | الإثنين الماضي، وصلت إلى المدير العام لـ«مؤسسة الإذاعة الوطنية» عبد الرزاق الطبيب، رسالة من «المجلس الإسلامي الأعلى» تدعوه إلى إيقاف برنامج «عيال الله» الذي يبثّ عبر «الإذاعة الوطنية» ويقدّمه محمد صالح العبيدي ويوسف الصديق. يتناول البرنامج تاريخ النبوّة، ومسائل اختلف في شأنها المؤرخون والفقهاء. الرسالة شبّهت الصديق بـ«سلمان رشدي»، ووجد شيوخ «المجلس الإسلامي الأعلى» أنّ «البرنامج يُسيء إلى الإسلام ويدعو إلى الإلحاد»، كما رأوا أن الصديق «خارج عن الإسلام»، بحسب ما يؤكد محمد صالح العبيدي لـ«الأخبار».


هذه الرسالة أثارت ردود أفعال غاضبة، فهي دعوة ضمنية إلى قتل الصديق، باعتباره مرتدّاً، في تماهٍ تام مع خطاب الجماعات المتطرّفة، ما يثير الاستغراب لأنّ الرسالة صادرة عن هيئة رسمية تابعة لرئاسة للحكومة.
فـ«المجلس الإسلامي الأعلى» الذي أسس عام 1989 هيئة علمية استشارية أرادها الرئيس زين العابدين بن علي آنذاك أن تسحب البساط من حركة «الاتجاه الإسلامي» (النهضة لاحقاً) التي أرادت إحتكار الحديث بإسم الإسلام لدعم موقع مفتي تونس ووزارة الشؤون الدينية. وبعد إنتخابات 23 تشرين الأوّل (نوفمبر) عام 2011 وصعود حركة «النهضة» إلى الحكم، جرى تغيير تركيبة المجلس وتعيين أعضائه من إطارات الحركة وأنصارها. حالياً، وبعد ستة أشهر من صعود حركة «نداء تونس» إلى الحكم، لم تغيّر رئاسة الحكومة أعضاء المجلس.


طلب إيقاف البرنامج الاذاعي
بحجّة «الإساءة إلى الإسلام والدعوة إلى الإلحاد»

ويقول العبيدي إن «المضايقات بدأت منذ شهرين من وزارة الشؤون الدينية التي طلبت إيقاف بثّ البرنامج، لأنّه يتضمّن جوانب تتعارض مع الإسلام، لكن تبيّن أنّ ما أثاره بعض مستشاري الوزارة عارٍ عن الصحة، بعدما طلب وزير الشؤون الدينية المفتي السابق للجمهورية عثمان بطيخ إعداد تقرير مفصّل عن البرنامج والإستماع إلى الحلقات». ويضيف العبيدي: «كانت رسالة المجلس صادمة ومضمونها خطير من شأنه أن يمنح القتلة غطاءً ومبرّراً». إدارة الإذاعة رفضت إيقاف البرنامج، لأنّ المجلس لا يملك سلطة تنفيذية أو دستورية، بعدما فشلت «النهضة» في تمرير قانون في «المجلس الوطني التأسيسي» يمنح «المجلس الإسلامي الأعلى» صفة دستورية، على غرار «المجلس الأعلى للقضاء» و«الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري». يومها في عام 2012، خاض الناشطون والحركة الديمقراطية معركة شرسة لإعطاء الدستورية إلى «المجلس الإسلامي الأعلى» الذي أرادته «النهضة» رقيباً على الحريات.
من الواضح أنّ قضية «عيال الله» ستعرف تطوّرات كبيرة، فهي المرّة الأولى التي يتدخّل فيها المجلس ووزارة الشؤون الدينية في مناقشة مضمون برنامج إذاعي. وكانت المعركة قد بدأت على فايسبوك ضدّ «وكلاء الل»ه الذين يريدون إحتكار الحديث بإسمه.
لم تنته معركة الحريات في تونس بمغادرة «النهضة» للحكم، فهي ما زالت تتحكّم في الكثير من القرارات والاختيارات من خلال الائتلاف الحكومي.