بغداد | الروائي حسين الموزاني (1954- 2016)، يرحل في برلين بنحو مفاجئ، يرقد في فراشه ليلاً ثمّ لا يصحو صباح الأربعاء إلى الأبد. يغيب ويترك ألماً وحسرة بين جموع محبّيه وأصدقائه من المثقفين العراقيّين. الكاتب الذي نشأ في بغداد وغادرها إلى بيروت عام 1978 ثم إلى برلين في 1980، درس الأدب الألمانيّ والعلوم الإسلاميّة في «جامعة مونستر» الألمانية، وحصل على الماجستير عن رسالته حول أعمال الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ.


تمكّن الكاتب والمترجم العراقي من أن يسجّل اسمه في الساحة الثقافيّة الألمانيّة، خصوصاً بعدما بدأ يكتب بلغتها أواخر التسعينيات، ومن ثمّ ترجم في عام 2000 رواية «طبل الصفيح» للروائي الألماني غونتر غراس.
باللغتين الألمانية والعربية، كتب الموزاني مجموعة من الروايات والقصص والتأملات هي: «منصور» أو «عطر بلاد الغرب» باللغة الألمانيّة عام 2002 و«اعترافات تاجر اللحوم» بطبعتين عن «منشورات الجمل» (1997 و 2015) قبل أن تُنشر بالألمانيّة سنة 2007. حصل عام 2003 على «جائزة شاميسو» التشجيعيّة التي تمنح للكتّاب الألمان من ذوي الأصول الأجنبيّة، كما صدر له عام 2009 كتاب «عالمان متوازيان» عن تجربة الكتابة في المنفى، وكتاب آخر باسم «أعوام الجمر والرماد ــ تأملات عن المنفى والثقافة والهويّة الوطنيّة» (الجمل ــ 2015 )، إلى جانب مجموعة قصصية بعنوان «حارس المهدي المنتظر» (الجمل ــ 2005).


شهادته كانت
إعلاناً عن قتل فكرة العودة إلى البلاد
في روايته «اعترافات تاجر اللحوم» هناك سعي إلى إعادة قراءة التاريخ والأحداث السياسيّة بين العراق ومصر. أمّا كتابه «عالمان متوازيان» فهو عن تأرجّح المنفى بين عالمين، ومحاولة بلوغ منطقة من التصالح بين عدم التخلّي عن العالم الأوّل ومحاوله زجّه على صعيد الثقافة والانتماء في العالم الثاني. في حين تندرج تأملاته عن «المنفى والثقافة...» في إطار توثيق اليوميات وإعلان موقف نقديّ من جملة قضايا، منها «العزل الطائفي» و«دفن الماضي» كما عبّر عنها في متن كتابه. كان الموزاني صادقاً وحاداً إلى درجة يصعب توافر هاتين الصفتين في كيان إنسانيّ واحد. يعلن مواقفه بعفوية ولا يعرف دبلوماسيات الحضور الأدبيّ، فهو الكاتب الذي لم يكترث بحقّ للنشر في الصحافة العربيّة، ينتقد مؤسّساتها التقليديّة بقوّة، معرّجاً على مواقفها المسبقة من العراق، البلد الذي غادره معارضاً لنظام صدّام، وظلّ يتتبع أحواله ويكتب بحرقة عن أخباره المحزنة ونظامه السياسيّ الجديد. كان الموزاني يتصوّر أنه سيعود إلى بلده ويتخلّص من مغتربه البرليني، الذي كان ذات يوم منفى وبقي لاحقاً على حاله. أما «رحلته الأخيرة إلى العراق» عام 2008، التي كتب شهادته عنها بعنوان «رحلة أخيرة» في موقع «كيكا»، فكأنّها كانت إعلاناً عن قتل فكرة العودة نهائيّاً، عندما افتتح نصّه المثير بهذه العبارة: «أحياناً يتعامل الأشخاص ذوو المنحى النظري، على شاكلتي، مع العالم بجديّة كبيرة قد لا تكون مبرّرةً». يتطلب بلد كالعراق من مواطنيه أن يكونوا مجانين أو عبثيّين؛ كي يواصلوا تقبّل صدماته. شهادته التي كانت إعلان وفاة حلمه أيضاً، كانت طافحة بسوداوية واقعيّة ومُرّة، يختصرها مشهد توصيفه للحال العراقيّ انطلاقاً من رمزية «المغيسل النجفي» الذي يغسل جثامين الموتى قبل رقدتهم الأخيرة في مقبرة السلام في مدينة النجف، ومن بينهم الموزاني نفسه الذي غسّل جثّة والده هناك. لكنّ ابن العمارة في جنوب العراق، لم يكن سوداويّاً في الجوهر، بل كان على العكس تماماً مرحاً ومثيراً للانتباه، وإن كتب بلغة حزينة هي ابنة الواقع بلا شك. إذ أنّ كتاباته عن مصائر بغداد وعواصم المركزيات العربيّة، استدعت هذا القدر الضاجّ من المأساوية والاحتجاج، حيث كانت التفجيرات تضرب عاصمة وطنه وهو يصرخ غضباً. صدقه الذي كان يبدو عليه في منشوراته، يشبه موته، موجع في صراحته أيضاً، التي ظلّ يتّصف بها. قبل أيّام كتب على الفيسبوك رأياً حادّاً عن انعقاد المؤتمر العاشر لـ «الحزب الشيوعي العراقي» وصلاته بالشيوعيين دون سواهم من البعثيّين والنازيّين، قال فيه: «تخلّيت حتّى عن الاتّصال بالكاتب غونتر غراس، لأنّه كشف عن انتمائه إلى إحدى وحدات الأمن الألمانيّة النازيّة (فافن أس. أس)، وحسب البعض تصرّفي هذا حماقةً». وداعاً أبا سكينة، وداعاً أيّها العراقي الصادق.