سنعثر في عبورنا إلى حمزة عبود في مؤلفاته الشعرية السابقة «أبدأ من رقم يمشي» (1978)، و«الكلام أيضاً» (1982) و«ظلال لسيرة التائه» (1991) و«كأنني الآن» (1996) و«ذلك الحارس، تلك الأصوات» (2011)، على المزج نفسه بين الواقعي السردي الذي لا يزال حياً ومكتوباً بلغة شاعرية في أتّم عنفوانها، وذلك الميل إلى الغريب في الصور والمساعي اللفظية التي تخدمها.


في جديده «حدث يحدث دائماً» (دار غوايات)، يجتهد الشاعر اللبناني في قهر ما مضى، ليس افتراقاً بل توكيداً، ويلوح إلى حد، بنغمة مختلفة وحداثية كاملة، وعدوانية بعيدة عن الميل الحالم والنغمة الرثائية التي تنعى الماضي والشباب. في التأمل لتقطيع الجملة عند عبود، وفي اختصارات الفكرة، وفي الطريقة التي يعتمدها لتعرية أشياء الوحدة من طابعها الشائع والمألوف، ثمة مشاهد خطر في عاطفيته الأنيقة، تضعك أمام حالة وداع ما، مبهم ووشيك، وفيه تلك القسوة في الافتراق عن البهجة التي وشت زمناً مضى. نجد في القصائد ما هو أفضل من مواهب لفظية: «سوف تسنحُ لك فرصٌ كثيرة، وسوف يعاودك الضجر بعد الفرصة الأخيرة وتتحين وقتاً بلا قيد، لتُكمل ما صنعت وتكون حراً، ويكون ثوابك الألم». يُجيد عبود تحريك الأشياء، والحوائط، والشوارع والمدن، ومصابيح الحياة الخفية المثيرة للقلق في باريس وصيدا والإسكندرية وسواها: «كانت النوافذ مشرّعة وكنت أنظر لأرى، وكنت أرى ــ كمن يتذكر ــ من نافذة غرفتي ومن النوافذ الصاغرة في شتاء القرية ونوافذ البيوت المتكئة على الصخور والأمواج في حارات صيدا والإسكندرية، وكنت أرى لأكتب ولأسّور ذاكرتي، وكنت أكتب لأنني رأيت ولأنني لم أر».


هناك شعور باليُتم
المعنوي حيال مآلات الوقت والعمر والأصدقاء والمدن

هناك قصائد شاسعة طولاً وعرضاً وعمقاً، وقصائد لا تتعدى السطور الثلاثة، وأقّل أحياناً، تُحيلنا إلى شاعر متمكن من «منطقه» الشعري. مفرداته القليلة لا تخضع إلى فكرة الداخل، بل تستدعي خارجها، مع ذلك تسطع كل واحدة ببريقها الخاص، ويرتبط أغلبها في أفلاك من الصور والإيحاءات، وأخرى ذات تقنية تُرخي على القارئ بتأثيراتها. هذه البراعة في الصورة والاستعارة المدهشة في أغلب المواضع، تسمح للشاعر بالجمع بين الملموس والمجرد، وبين أكثر التداعيات تباعداً في وحدة متوهجة. عند عبود، يفيض ذلك السيل من الصور أحياناً إلى استعارات يمكنها أن توحي للقارئ بالغموض والغزارة المفرطة: «رائحة النعناع تجعل الحقل أكثر اتساعاً». غير أن هذه الأهمية الممنوحة للصورة، ضرورية لأنها تلهث الى اكتشاف الوحدة العميقة للكون وللشاعر على حد سواء، كما أنها تربط الشاعر، بالسلالة الكبيرة للشعراء الرائين (منهم بسّام حجار على وجه التحديد) الذين يمنحهم الشعر مفتاحاً لأبجدية ضائعة، تُحرّر الكلمة لتغدو أداة خالقة.
لا ينشد حمزة عبود في قصائد «حدث يحدث دائماً» الحرية بحّد ذاتها، بل تهدف وظائف كلماته إلى تجاوز حدود هذه الحرية نحو تفلّت طوباوي وانحياز إلى مبدأ شعري مطلق. تهدف هذه الوظائف أيضاً إلى صميمية يتحاور معها بوساطة الكلمات، ويترك للقارئ أن يرى تلك الحوارات من دون أن يكلف نفسه دعوته الى المشاركة. ولعله يفعل ذلك لمزيد من حرية الشاعر وكلماته، في محاولته خرق ما هو مألوف وخرق التحديدات والقواعد الضمنية التي يمتثل إليها المرء في رغباته أو استيهاماته الشخصية. يذهب حمزة عبود بجملته القصيرة الى آخر مدى ممكن، إلى درجة التشويش الكامل والجميل لجميع الحواس.
ثمة استمرارية طبيعية عند عبود لما كتبهُ سابقاً في مجموعته الجديدة، لكن هنا يظهر الشعور المتضخّم بالفقد، وباليُتم المعنوي حيال مآلات الوقت، والعالم، والعمر، والأصدقاء، والمدن، وخيالات الطفولة والشباب. ولعل هذا الفقد، وهذه العذوبة في مناورته، والنكهة القاسية واللطيفة للكلمات والصور، والمناورات الكتابية العالية، هي ما منح هذه المجموعة مذاقها الخاص والثري.