يتصدر صادق جلال العظم سليل العائلة الأرستقراطية التركية/ العربية، قائمة المفكرين العرب الذين تصدوا لمجالات النقد الديني، على أهمية الوهج الذي اكتسبته أفكاره ومواقفه وأطروحاته الأخرى إزاء السياسة والفلسفة والقضايا العربية الكبرى.

اتسقت ونمت هالة المثقف العضوي في شخصيته مع الأحداث السياسية المفجعة، فطبعت انشغالاته وحراكه الفكري وإنتاجه التأليفي. وقد شكلت هزيمة حزيران 1967 منعطفاً جذرياً في هويته، فتدرج من «عالم الأفكار المثالية» إلى «الفعل التاريخي النقدي»، أي أنّه انتقل من التنظير الفلسفي إلى عالم الصراعات والوقائع، وهو القائل: «كان المنعرج المهم في حياتنا كنخبة ومفكرين في مرحلة ستينيات القرن العشرين هو هزيمة العرب أمام إسرائيل في 1967؛ هذه الهزيمة جعلتنا نرى بشكل آخر، ما كنا نراه على أنه مرحلة واعدة ومتفردة لما يسمى الدول النامية والدول العربية والثقافة العربية. إن الهزيمة صححت الوهم والتصورات السائدة في المجتمعات العربية حول البطولات والشعارات المملوءة بالحماسة والفارغة من الواقعية والعقلانية».

خاض العظم في دفاعه الحاسم عن العقلانية وحرية الرأي والتعبير معارك التحديث على أكثر من جبهة في المجتمع والفلسفة والسياسة والدين. تدرجت مراحل حياته بين الأكاديمي والناقد والمنشغل في الشأن العام السوري، ولا سيما بعد محطتين رئيستين: الأولى «ربيع دمشق»، والثانية «الثورة السورية» 2011 التي آثر تسميتها بهذا الاسم، رافضاً أي تسويات أخرى تقلص حجم حراكها ومآسيها ومآلاتها الراهنة.
من جامعة «يال» في الولايات المتحدة، نال الدكتوراه في الفلسفة الفرنسية المعاصرة عام 1961 تحت عنوان «فلسفة الأخلاق عند هنري برغسون». درَّس في جامعة دمشق لعام واحد بعد تخرجه، وانتقل بعدها للتدريس في الجامعة الأميركية في بيروت بين عامي 1963 و1968. في عام 1969، كان أستاذاً في الجامعة الأردنية، لكنه سرعان ما تركها عائداً إلى بيروت، فعمل باحثاً في مركز الأبحاث الفلسطينية، وكتب في مجلة «شؤون فلسطينية». وبعد مضايقات، ترك العمل، وواصل الكتابة باسم مستعار، بترتيب من الدكتور أنيس صايغ. وفي الثمانينيات، تولى قسم الفلسفة في جامعة دمشق ودرس فيها بين عامي 1977 و1999، ثم غادر إلى جامعة «برنستون» أستاذاً زائراً. (راجع «موسوعة أعلام العرب المبدعين»، خليل أحمد خليل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر).
تجاوزت مؤلفات العظم الـ 13 في العربية، يُضاف إليها ما كتبه بالإنكليزية وعشرات الدراسات والمقالات والأبحاث. صدرت له الكتب الآتية: «دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة»، و«دفاعاً عن المادية والتاريخ»، و«دراسات يسارية في فكر المقاومة»، و«دراسات نقدية لفكر المقاومة الفلسطينية»، و«سياسة كارتر ومنظّرو الحقبة السعودية»، و«زيارة السادات وبؤس السلام العادل»، و«في الحب والحب العذري»، و«الاستشراق والاستشراق معكوساً»، و«نقد الفكر الديني»، و«ذهنية التحريم»، و«ما بعد ذهنية التحريم» و«الصهيونية والصراع الطبقي».


كتابه «النقد الذاتي بعد الهزيمة» جاء بمثابة «صدمة» للذات العربية المهزومة

على الرغم من انشغاله بـ«النقد في كل اتجاه»، تحديداً على المستويين السياسي والديني، إلا أن العظم لم يغامر في التخلي عن يساريته التي ظلت تؤطره فكراً وممارسة. تكثف انشغاله في الشأن السياسي العام بعد هزيمة حزيران، فوضع كتابه الذائع الصيت «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، فجاء بمثابة «الصدمة الجرحية» للذات العربية المهزومة، محبذاً استخدام كلمة «الهزيمة» بدل النكسة تفادياً لحالة الإنكار وتغييب المسؤولية التاريخية. في مقابلة أجرتها معه مجلة «الجديد» الشهرية الثقافية اللندنية في عددها الصادر في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي (العدد 21)، تحدث العظم عن كتابه: «صدر الكتاب في بيروت عام 1969 وكان العالم العربي لا يزال يعيش تحت صدمة هزيمة الجيوش العربية وبالخصوص الجيش المصري والسوري والأردني أمام الجيش الإسرائيلي في حرب 1967. دخلت الأنظمة العربية في أزمة مسّت بشرعيتها، كما فقدت كل السلطات رمزيتها وهيبتها لدى المواطن العربي، بما في ذلك السلطة الدينية، والسياسية، والمدنية، والشرعية أو القضائية. هذه الصدمة، التي امتدت لسنوات، جعلت المجتمعات تدخل في مزاج عدمي فسح المجال لعهد جديد من النقاش والنقد وتحليل ما حدث، فأصبح التصريح والقول مباحين خلافاً لما كان في السابق محرّماً وممنوعاً، وأصبح المتلقي بعد هزيمة 1967 منفتحاً على التقبل والإصغاء لخطاب جديد يفسّر له ما آلت إليه الدول العربية، وهو الأمر الذي كان غير ممكن في السابق».
في عام 1969، أصدر «نقد الفكر الديني» عن «دار الطليعة» في بيروت، ففتح عليه وعلى صاحب الدار الراحل بشير الداعوق نار القوى الرجعية والظلامية التي أوصلته إلى المحاكمة والقضاء في لبنان، فخرج منها منتصراً لعقله وحقه في المساءلة ومقارعة الاستبدادية الدينية والسياسية، بعيداً عن مقولات وشعارات «إثارة النعرات الطائفية» أو «ازدراء الديانات السماوية». تصدى في سفره هذا بالنقد العلمي والمناقشة العلمانية والمراجعة العصرية لبعض نواحي الفكر الديني السائدة آنذاك. احتوى الكتاب في طبعته الأولى المحاور الآتية: «الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني»، «مأساة إبليس»، «ردّ على النقد»، «معجزة ظهور العذراء وتصفية آثار العدوان»، «التزييف في الفكر المسيحي الغربي المعاصر»، «مدخل إلى التصور العلمي ــ المادي للكون وتطوره». وفي الطبعة الثانية الصادرة عام 1970، نشر في الكتاب ملحقاً تضمن: وثائق من محاكمة المؤلف والناشر، القرار الظني، الاستجواب أمام محكمة المطبوعات وقرار المحكمة.
لا شك في أنّ «نقد الفكر الديني» سيظل علامة ثقافية فارقة في الإنتاج الفكري/ الإبداعي الذي خطه صادق جلال العظم، فلا يزال إلى الآن محطة للسجال والنقد والتحليل.
في «ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب» (1994)، يتناول العظم بالدراسة النقدية والأدبية والتاريخية المقارنة أدب سلمان رشدي عموماً وروايته الفائقة الشهرة «آيات شيطانية»، بعد فتوى الخميني بإهدار دمه. جاء في المقدمة: «تعالج دراستي موضوعها بمنهج مضاد للمنهج الذي ألفناه في التعامل مع قضية رشدي، وأدبه عربياً وإسلامياً في أقل تعديل: وأقصد منهج ذهنية التحريم وعقلية التجريم ومنطق التكفير وشريعة القمع. أقول هذا لأن التمعن الهادئ والرزين سيبين أن ما نجم عن «آيات شيطانية» من تفاعلات وردود فعل ومناقشات، يشكل حقاً تطوراً فريداً وحدثاً فذاً لا سابق له في التاريخ الحديث شرقاً وغرباً (...) تمتاز «آيات شيطانية» وحادثتها في كونها أول رواية سجالية ساخرة في العصور الحديثة تجمع الغرب العلماني والشرق الإسلامي معاً في فضيحة أدبية كبرى واحدة وتقحمها معاً في القضية الفكرية ــ السياسية ــ الأيديولوجية العالمية ذاتها، مما لا يعرف له التاريخ المعاصر شبيهاً». أثار الكتاب عواصف من الانتقادات، فكتبت مقالات ودراسات انتقادية ردّ عليها العظم بـ«ما بعد ذهنية التحريم» الصادر عن «دار المدى» عام 1997.
لم يتوقف العظم عن طرح المفاهيم والمصطلحات الجديدة. في ندوة نظمتها «مؤسسة ابن رشد» في ألمانيا عام 2012، ألقى محاضرة تحت عنوان «الدولة العلمانية والمسألة الدينية: تركيا نموذجاً» ميّز فيها بين ثلاثة إسلامات: «إسلام الدولة الرسمي» و«إسلام البزنس» و«الإسلام الأصولي الطالباني التكفيري الجهادي العنيف». اعتبر أن هذه الإسلامات تتصارع على ضبط معنى الإسلام والسيطرة عليه. يقصد بـ«إسلام البزنس» ــ الذي يراهن عليه ــ «إسلام الطبقات الوسطى والتجارية، إسلام البازار والأسواق المحلية والإقليمية والمعولمة، إسلام غرف التجارة والصناعة والزراعة، إسلام المصارف وبيوتات المال المسماة إسلامية، وإسلام الكثير من رؤوس الأموال الطافية والباحثة بيقظة عالية عن أي فرصة استثمارية سريعة ومجزية في أيّ ناحية من نواحي الكرة الأرضية اليوم. والى الحد الذي تشكل فيه بورجوازيات البلدان الإسلامية عموماً والعربية تحديداً العمود الفقري لمجتمعاتها المدنية، فإن هذا الإسلام الجيد والمفيد للبزنس يكون هو أيضاً إسلام المجتمع المدني فيها. إنّه إسلام معتدل ومحافظ، يتمحور حول عمليات البزنس بكل أشكالها، له مصلحة حيوية في الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، وهو بالتأكيد غير مهووس بالمشركين والكفار والمرتدين والمجوس والملحدين والزنادقة والمنافقين والروافض والنواصب وأحفاد القردة والخنازير، أو بالحدود وقانون العقوبات الجسدية. انه إسلام يميل إلى التسامح الواسع في الشأن العام والى التشدد في الشأن الشخصي والفردي والعائلي والخاص».
يعتبر العظم من بين الشخصيات الثقافية الأكثر جذباً للحوار والنقاش في الإعلام العربي والأوروبي المرئي والمكتوب والمسموع. تلاحقت إطلالته بعد عام 2012 ودار معظمها حول الأزمة السورية وقضايا العالم العربي المشتعل. في بدايات حركة الاحتجاج في سوريا وخلال إقامته في بيروت، كان حذراً من موقعه كمفكر يحتاج إلى مسافة لفهم التحولات الهائلة والدامية الجارية في بلاده و«دول الربيع العربي». بعدها لم يتوان عن تسجيل مواقف صاخبة أثارت الكثير من السجال بين مؤيد ومعارض. وهو في هذا الاتجاه يُصنف بين أكثر القامات الثقافية السورية نشاطاً ويسجل له ابتكار مصطلحات جديدة كـ«العلوية السياسية» و«إسلام التوتر العالي».
منحت «مؤسسة جائزة إيراسموس» الهولندية عام 2004 جائزتها للعظم «تقديراً لجهوده في ميدان الدراسات الفكرية والدينية والفلسفية ومساهماته في إغناء الفكر العالمي والعلوم الاجتماعية»، وذهبت الجائزة أيضاً إلى عالِمة الاجتماع والكاتبة النسوية فاطمة المرنيسي (1940 - 2015) والمفكر الإيراني عبد الكريم سروش. ‏حصل العظم على «جائزة محمود درويش للإبداع لعام 2013» احتفاءً به «مثقفاً نقدياً عربياً بامتياز». وبعد عامين، نال «جائزة ميدالية غوته» في ألمانيا وتم تسليمه الميدالية في 28 آب (أغسطس) 2015 في ذكرى مولد الأديب الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، في قصر الحاكم في مقاطعة فايمار.
في «حوار بلا ضفاف: حوار فكري مع صادق جلال العظم» («المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، بيروت، 1998) يخلص الكاتب الفلسطيني صقر أبو فخر في حواره الممتع مع المفكر اليساري إلى أنه «أشعل الكثير من المعارك النقدية، فقامت عليه قيامة العالم القديم كله، وثارت في وجهه عفاريت السلطات وكائنات الكهوف. ومنذ «النقد الذاتي بعد الهزيمة» و«نقد الفكر الديني» حتى «ذهنية التحريم»، و«ما بعد ذهنية التحريم»، ظهر كأن هوايته ابتداع الأفكار والتصدي للمشكلات الكبرى وإثارة الدبابير من أعشاشها».
ينتمي صادق جلال العظم إلى الجيل النقدي المؤسس في الثقافة العربية المعاصرة إلى جانب مبدعين كبار. إن تكوينه الفكري في الغرب وامتلاكه أدواته المنهجية ومقارعته للخطاب الديني الرجعي، جعلته مفكراً عالمياً يتجاوز حدود العالم العربي إلى رحاب الاعتراف العالمي، أقله على المستوى الأوروبي.