دبي | كما في «رصاصة طايشة» (2010 ـــ المهر الذهبي لأفضل فيلم عربي في الدورة السابعة من «مهرجان دبي السينمائي الدولي»)، يستوحي اللبناني جورج هاشم مناخات الحرب الأهليّة، لنسج مثلث علاقات مأزوم بين زوجين وصديقهما المشترك في «نار من نار» Still Burning، الذي يشارك في مسابقة «المهر الطويل» ضمن الدورة 13 من «مهرجان دبي السينمائي الدولي» (العرض العالمي الأول) الذي يختتم اليوم.


هذا لا يعني أنّ صاحب الروائي القصير «قدّاس عشيّة» (2009)، يقطع الطرقات نفسها، نحو قول الكثير عن هويّة بلاده وبعض ناسها، بل يتّكئ على زمن حرب ثمانيني موازٍ للحاضر، لخلق حياة مشتهاة لمن لا يمتلكها. «أندريه» (وجدي معوّض) سينمائي لبناني مقيم في باريس. يصنع روائياً أوتوبيوغرافياً بعنوان «نار»، عمّا يُفترَض أنّه عايشه خلال الحرب تحت اسم «محمد». عشيقته «نادين» أنا فيلميّة لـ«أميرة»، تلعبها الممثّلة «كاميل» (عديلة بن ديمراد). هي زوجة صديقه «وليد» (فادي أبي سمرا). الأخير يحمل اسم «إيلي» (رودريغ سليمان) في الشريط، الذي يبصر النور تحت عنوان «نار».
نحن في مطلع الألفية. يُعرَض الفيلم ضمن «بينالي السينما العربيّة» في معهد العالم العربي في باريس (توقف الحدث عام 2008)، ليظهر الصديق القديم من دون سابق إنذار. يحصل اللقاء المرتقب. نعلم أنّ سرطان الرحم أودى بأميرة، فهاجر وليد إلى مونتريال، ليرأس تحرير مجلة تعنى بالفرنكوفونيّة. المخرج يستفيد من مناخ الحريّة في فرنسا، للعمل وكسر تابوهات لن تمرّرها الرقابات العربيّة.


تحفة مظلمة عن الأنا المتعدّدة، واغتراب الفرد داخل نفسه أولاً


نعم، الخريطة ليست بسيطة. بين الحاضر والماضي، وبنية «فيلم داخل فيلم»، لا يسلّم السرد مفاتيحه بسهولة. يمعن في توريط المتفرّج ضمن لعبة جنونيّة من الواقع الحقيقي والآخر المتخيّل/ المشتهى. يتحدّاه للتفريق بينهما. يدعوه إلى تفكيك كلّ منهما إلى سيرته الأولى، تمهيداً لتركيبهما كقطع البازل. ثمّة جحيم مستعر داخل النفوس، منذ أيام السهر في ملهى «فيرتيغو»، بينما يرجّ القصف بيروت المقسّمة في الخارج. لقاءات خاطفة مع عشيق، وميليشيات توقف النّاس في الشارع، عناصر تحيل على «رصاصة طايشة»، قبل أن تبتعد إلى مسارها الخاص. في «نار»، نرى «حب نادين/ أميرة» لـ«محمد/ أندريه»، ومدى اشتهائها له. نرصد الجفاء مع زوجها «إيلي/ وليد»، الذي يظهر أنانياً، خائناً، لا يمانع رؤية صديقه يُعتقَل أمام عينيه. في الحقيقة، لا شيء كما يبدو عليه. لا أحد كذلك.
لقاء الصديقين العاشقين للسينما، يفجّر الحمم. يؤكّد أنّ الحرب مستمرّة بشكل آخر. يستدرج مكاشفةً تقشعر لها الأبدان. يفرد حمولةً عن الأنا المتعدّدة والهويّة المضطربة، عن ضحايا تائهين لم يلمسوا أحلاماً تاقوا لها طويلاً، عن عاشق مرفوض يراها هانئةً في حضن زوجها المبدع (صانع أفلام وكاتب ومبرمج في النادي السينمائي). هذا يؤجّج حقداً مجاوراً لحبّ الصداقة، فيقرّر التحوّل إلى سينمائي/ خالق. يتّخذ من النيغاتيف وسيطاً خيالياً، لصنع حياة موازية عجز عن تحقيقها على الأرض (الوسيط الحقيقي)، مع تغيير سمات كلّ فرد وفق مشتهاه، بل وعقد نقصه تجاه الآخر. تزوير يذكّرنا بشيء من «السيّد ريبلي الموهوب» (1999) لأنتوني مينغيلا، مع تحوّل القتل من فعل حقيقي إلى مجاز فيلمي. هو الخطوة السابقة لمراحل المكاشفة (التجاهل ــ التحريض والاستفزاز ــ الانفجار ــ المطاردة ــ البوح في مشهد خلّاب ــ الاعتراف). «نار» شريط جاء من «نار» الذاكرة والحرب.
جورج هاشم يصنع تحفةً مظلمةً عن الأنا المتعدّدة، واغتراب الفرد داخل نفسه أولاً. يضعنا بقسوة أمام سؤال الهويّة المشروخة، ضمن بلاد حائرة، مليئة بعقد النقص. يباغتنا بمدى التهتّك الداخلي، وقابلية الحقد والكره للتغوّل والسيطرة. لا جدوى من السعي إلى الخلاص. هذه أرواح ملعونة إلى الأبد. هل ثمّة ناجٍ وحيد مثل «ربيع» في روائي فاتشي بولغورجيان، الذي ينافس على «المهر الطويل» أيضاً؟ لا.
سينماتوغرافيا كابوسية لأندرياس سينانوس، الذي عمل مع أنجيلوبولوس طويلاً. هناك درس في الاشتغال على الأبعاد والتشكيل بالضوء. أداء خلّاب عموماً، خصوصاً فادي أبي سمرا ووجدي معوّض. موسيقى زاد ملتقى تخترق النخاع الشوكي. إيقاع ثقيل يعزّز الميلانكوليا والتأزّم (توليف إلياس شاهين). المحصّلة قد تكون مهراً ثانياً لجورج هاشم، فهو أحد المرشّحين الشرسين لاقتناصه.