لم تغادر أسئلة الهويّة والانتماء، وهواجس ما بعد الحرب الأهليّة، السينما اللبنانية منذ أن انتهى القتال عام 1990. عشرات الأفلام حرّضت الذاكرة وفتحت الجرح بقسوة أو مراعاة، بشكل مباشر أو بالتنقيب تحت المستويات الأولى. «ربيع» Tramontane للبناني فاتشي بولغورجيان، يفعل ذلك من وجهة نظر مغايرة: كيف تبدو الأمور من عيني ضرير فاقد لهوّيته؟


باكورة السينمائي اللبناني في الروائي الطويل، ينافس على «المهر الطويل» في «مهرجان دبي السينمائي الدولي» (العرض الأول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، واصلاً بسمعة طيّبة من «أسبوع النقاد» في «مهرجان كان السينمائي» الفائت. خرج من الكروازيت بجائزة «السكة الذهبيّة»، التي تمنحها جمعية «موظفي سكك الحديد المحبين للسينما» في موازاة المهرجان. هذا ليس الفوز الأوّل لبولغورجيان في المحفل الفرنسي. مشروع تخرّجه القصير «الطابور الخامس» (2010) نال المركز الثالث في مسابقة «سينيفونداسيون» لأفلام الطلبة، بعدما حاز منحة إنتاج من «جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية». في سجلّ الرجل شهادة ماجستير في الفنون الجميلة من جامعة نيويورك، وتعاون مع شبكات تلفزيونية في الشرق الأوسط، وأفلام مستقلة قصيرة وتجريبية وغير روائية، منها «علي العراقي» (2008).


رائحة الحرائق والمجازر
الجماعية تفوح مجدداً


ربيع (بركات جبور) يعزف ضمن جوقة في قريته الشماليّة. عدم قدرته على الرؤية لا تقرّبه من «الشيخ حسني» في «الكيت كات» (1991) لداود عبد السيّد، وإن كان موهوباً مثله في التعامل مع الآلة. يعيش حياةً هادئة مع أمّ مخلصة (جوليا قصّار) وخال محب (توفيق بركات). تتلقّى الفرقة دعوةً للقيام بجولة فنيّة في أوروبا، فيقدّم طلباً للحصول على جواز سفر. يكتشف أنّ هويته مزوّرة. ينهار عالمه عندما يعلم أنّه ليس من يعتقد. هو ابن عائلة أخرى، لا يعرف عنها شيئاً. يصبح كالآلة التي أعجبته: «كمان قديم، صوته مثل الحرير، ولكن لا نعرف أصله». سريعاً، ينطلق الشاب الحائر في رحلة للبحث عن جذوره الحقيقيّة، في تجوال وجودي للتعرّف إلى الذات والكيان. هو الذي لم يغادر القرية يوماً، يقطع دروب الريف، متنقّلاً بين القرى والبيوت. يدقّ باب شيخ، ويدخل ميتماً أرمنياً. يجالس أصدقاء خاله القدامى قرب الملّاحات، وفي المصحّات العقلية. كلّ منهم يمنحه معلومةً صغيرةً، لن تقوده سوى إلى مزيد من الحيرة والتخبّط. هذا لا يثنيه عن الدأب، مستمعاً إلى قصص الحرب وحكايا الضيع المدمّرة. يحدّثه السائق عن انقطاع الارتباط ببيت العائلة العتيق. يصارحه الشيخ: «كتير جيوش إجوا وفلّوا. ما في خراب، وما في بنايات جديدة، وما في شي». تتفتّح بصيرته على الحقيقة الآن. هذا بلد الخرائط المبعثرة والممزقة والأرواح الملعونة إلى الأبد. رائحة الحرائق والمجازر الجماعية تفوح مجدداً، لتزكم أنفه وتزيد من غليانه الداخلي. الماضي يطلّ برأسه، كوحش أسطوري غير قابل للموت.
هذا فيلم بديع عن اغتراب الفرد داخل وطنه، عن الهويّة المشرذمة، عن التشوّه الذي يُخلَق مع المرء. مزيج بين «فيلم الطريق» و«فيلم الشخصية الواحدة»، التي تقوده في كلّ المشاهد. تسير في دائرة من النّاس والأماكن التي برع بولغورجيان في اختيارها، لتعود إلى منطلقها الأول (البيت/ القرية). بركات جبور مبهج في قدرته على حمل الشريط على كتفيه، مقدّماً أداءً خلّاباً. عدم إظهار المدينة رغم ذكرها خيار مقصود، للبقاء داخل الجغرافيا الأولى. إنّها الأصل، والأرض البكر، والسجن المطبق. إنّها المشكلة والحل في آن. ثمّة ذكاء غير انفعالي في الإدانة. الكل متورّط في العبث بهذا الـ«ربيع»، الذي يستحق النجاة والاحتفاظ بروحه. جميل أن يتصالح مع حاله ويتابع الإبداع، على عكس العالقين في أوحال الماضي.
سينماتوغرافيا (جايمس لي فيلان) تلائم الطرح المظلم ورؤية البطل، إذ تفضّل العتمة في كثير من الأحيان. المخرج يوجّه العدسة على ما يهمّه من تفاصيل أثناء الحكي، مستفيداً من تقنية النت والفلو وعدسات البانوراما. الإيقاع ثقيل، يأخذ وقته في مفاصل محدّدة (توليف: ناديا بن رشيد). الاستغراق في الزمن يشبع حالة الاغتراب والحيرة، ويؤكّد على ثبات الـ«ما في شي». موسيقى (سينتيا زافين) متقشّفة. تدخل في الوقت المناسب لتتويج ذلك. جوزيه ساراماغو لم يكتب «العمى» عن عبث، قبل أن يحوّلها فرناندو ميريليس إلى فيلم عام 2008. في هذه المنطقة من العالم، يولد الإنسان ملعوناً قابلاً للعطب والانتهاك. كيف يمكن ألّا نصاب بالعمى بعد كلّ ذلك؟