الدخول إلى الشيّاح ليس كالدخول إلى عين الرمانة. والدخول إلى عين الرمانة ليس كالخروج منها. صحيح أن تقاطعاً واحداً يفصل بين المنطقتين المتاخمتين تقريباً، وهما الأكثر شهرة بين المناطق المصنفة في الذاكرة اللبنانية الصلبة كـ«خطوط تماس»، خلال الحرب، وبعدها طبعاً.


«بعدها» الحرب البصرية قائمة. ملصق رئيس مجلس النواب، نبيه بري، المثبت عند مدخل شارع عبد الكريم الخليل، ينبّه العابر إلى أن قدميه تطآن منطقة «حركة أمل»، وقبل قدميه، يصل بعينيه. الإشارة الدلالية حاسمة، دليل كافِ يحدد «هوية» بصرية للمنطقة، غالباً ما تكون هوية ديموغرافية أيضاً. على بعد أمتار من البوستر، بوستر آخر، وبعده بوستر آخر، وهكذا، تفقد اللافتة معناها المديني كمعلم يستدل به القادمون لكثرة تكرارها، ويبقى منها الأثر السيميائي. يصير البوستر «بطاقة تعريف». ثمة ملصق آخر للإمام موسى الصدر وآخر لشهداء «أفواج المقاومة اللبنانية» الذين قضوا أواخر السبعينيات أثناء قتال الاحتلال الإسرائيلي. الملصق يلعب دوره الجغرافي هنا أيضاً، في الوصل والقطع بين المناطق المتباعدة. السكان يحبّون هويتهم، يعلنون تواصلها بالملصقات.


تخلص زينة معاصري إلى
أن شعار الحزب وصورة الزعيم «وسائل رمزيّة لتأكيد الهيمنة العسكريّة على منطقةٍ ما»


في دراستها «ملامح النزاع ــــ الملصق السياسي في الحرب الأهليّة (١٩٧٥ ــــ ١٩٩٠)»، تخلص المصممة الفنية زينة معاصري إلى أن شعار الحزب وصورة الزعيم في الملصقات السياسية، بوصفهما «وسائل رمزيّة لتأكيد الهيمنة العسكريّة على منطقةٍ ما»، كانا خلال الحرب الأهلية حصراً كافيين رمزياً لوسم مناطق النفوذ. صحيح أن خلاصة معاصري لا تتضمن الحقبة التي شهدت اتفاق «الطائف» وإعادة الإعمار، ولا يمكن تعميمها راهناً، في حالة «السلم»، نظراً إلى اختلاف وظيفة الملصقات السياسية والحزبية اليوم عما كان سائداً قبل 26 عاماً. لكن تحليل معاصري ما زال صالحاً ومستمراً في الزمن، وجزء كبير منه، استمرار الهوية في النمو. هكذا ينمو الملصق السياسي مع نمو هويات أصحابه وتطورها. أثناء عرضها للتداعيات البصرية الخاصة بزعماء كان لهم تمثيل ذو أهمية في الملصقات السياسية، وفي تناولها لحالة الإمام الصدر، تشير معاصري إلى أن اختفاءه «أدى إلى حضور عتيد لصورته في الملصقات، ليس فقط لتمجيد الزعيم الغائب» ولاستذكاره أمام أجيال لم تعهده وحسب، بل كذلك في محاولة لتأكيد استمرارية «حركة المحرومين» التي أسسها، في ظل «إرشاده الروحي»، فضلاً عن «تعزيز الرابطة الوجدانية مع محازبيه والمعجبين به». لكن ثمة غاية أخرى تتجلى في ملصقات أخرى. يمكننا أن نرى فيها الإمام المعمّم في الجزء العلوي حارساً لحامل أمانته، وهنا يلعب الملصق دوره في تشريع التوريث حسب آليات الجماعة وواقعها. وفق الدراسة، يمنح موسى الصدر شرعية للرئيس بري، «حامل الأمانة» من صاحبها، بسبب ما تنص عليه عبارة أحد الملصقات الذي يظهر الزعيمين في صورة فوتوغرافية واحدة. وإن كان في العبارة دلالة رمزية، فهي أن شرعية نبيه بري تتعزز اجتماعياً بالولاء لمن استطاع، في المخيلة الجمعية لـ«المحرومين». ولمن يسأل لماذا يوجد ملصق للإمام المغيّب منذ أربعين عاماً تقريباً، فهذه هي وظيفته في الشيّاح: أن يحقق صلة الوصل بين حقبتين.

بين الذاكرة وفقدان الذاكرة

تشير الملصقات الخمسة المثبتة على طول جدار جسر المشاة في قصقص، إلى أن تمرد اللواء المتقاعد أشرف ريفي، على تيار «المستقبل»، خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، لم يفسد في الود قضية. إذاً، الملصق، لا يطلب شرعية الحيّز الجغرافي، إنما يلعب دوره في تفسير شرعية أصحابها ضمن هذا الحيّز. فلسنتعد سيناريو «معركة» الانتخابات البلدية الأخيرة في طرابلس، معقل التيار الشعبي، تلك التي أفضت إلى اختيار زعيم «مؤقت»، بديل من الرئيس سعد الحريري. المعركة في طرابلس شيء، والملصق في قصقص شيء آخر. صورة ريفي المرفوعة إلى جانب صور للحريري الأب، والابن، والوزير نهاد المشنوق واللواء الراحل وسام الحسن. من أعاد ريفي إلى «كادر» التحالف ولماذا؟ ما حصل قبل أشهر قليلة، ينتهي في «بوستر» قرب قصقص، لأن قصقص، منطقة قريبة من الشيّاح، ومن عين الرمانة. وهي بحاجة أيضاً إلى استيعاب «هويات» أهلها، مقابل «هويات» الجيران. وهذا ما يقوله سكان من المنطقة، بلغتهم الشعبية: «قصقص لكل تيار المستقبل». قد تكون الغاية من الملصقات التأكيد على «لحمة الطائفة»، ومن معترضين على تشرذمها، وقد تكون ضدّ الآخرين أكثر من كونها مع السكان المقيمين. لا شيء مؤكداً ولا أحد يعرف من علّق اللافتات، ولا يمكن العثور على معترضين حقيقيين على وجودها. يحيلنا هذا، عموماً، إلى ما يسمّيه الكاتب فواز طرابلسي «الحالة المرضية»، في مقدمة الدراسة نفسها، في إطار تفسير «فقدان الذاكرة الجمعي» الذي طغى، «على المستويين الشعبي والرسمي» بدءاً من الفترة التي تلت الحرب الأهلية. الخلاف بين الحريري وريفي، منسي على ملصقات قصقص في وقتٍ أسرع من اللزوم. يرى طرابلسي أن فقدان الذاكرة يفصل أسباب أي خلاف سياسي عن النتائج. وفي حالتنا هذه، أسباب خلاف ريفي ــ الحريري هنا أقوى من الذاكرة. وهنا يأتي دور الملصقات «بما هي أسلحة»، كما يصفها طرابلسي، في تذكير الفرد «المريض بالذكريات الدموية والحوادث الرضية»، بذلك «الماضي الرضي»، أي حقبة تمظهر القوة الجماهيرية لمناصري الحريري التي شهدت ولادة تحالف 14 آذار بعد اغتيال والده، وإعادة تمثّله بما هو «حاضر مستمر». والمفارقة، أن اسم تياره هو «المستقبل»، لكن ملصقاته تقيم في الماضي، ولا تستطيع تجاوز الحاضر بخطوةٍ واحدة.