قد ينتبهون إلى أنه يبتسم في الصورة وقد لا يعيرون ذلك أي انتباه. لا يعرفونه، ولذلك، لا يشعرون بأنهم مطالبون بتسجيل موقف ضده. ويفترضون أنه لا يعرفهم أيضاً، وأنهم، مجرد رجال يؤدون عملاً. علاء وأبو خالد عاملان سوريّان، من درعا ومن حماة. كلاهما في أول العشرينيات.


ونحن الآن في 2016. يعني هذا أنهما ولدا بعد وفاة بشير الجميّل على الأقل بعشر سنوات. يبذلان جهداً واضحاً لإتمام عملهما بنجاح داخل زقاق هادئ شرق بيروت، واحد يضع المسحوق على الجدار، والثاني يطبع صورة بشير الجميّل ويفرك أطرافها كي تثبت في مكانها جيداً. يعرفون الجدران التي يُسمح لهم بأن يلصقوا عليها صورة مؤسس «القوات اللبنانية»، لا بل يشعرون بما هو أكثر من ذلك، أنه يمكنهم أن يلصقوا هذه الصورة أينما كان. لن يعترض أحد. وهذا بالنسبة إليهم، لا يجعله شخصاً هاماً، إنما يجعل عملهما سهلاً، وفي حالتهما، هذا أمر مهم.
إنه المختار.


ميري كريسماس للعمال
أولاً، ولجميع الذين يشعرون بالحرية في مدّ يدهم إلى ملصق على الطريق فيمزقونه


نقول لهم إن بشير الجميّل هو مُختار المنطقة. يهز علاء برأسه ويتبسّم: لكنه صغير. المختار شخص مهم. وقد يكون محبوباً من أهل محلته، يمكننا أن نتوقع ذلك. والمختار باللبنانية، وغالباً بالسورية، شخص يحبّه الناس. على الأقل يعرفونه ويعرفهم. أبو خالد يسأل كيف يعلّقون صوراً لمختارٍ بربطة عنق. المختار في قريته له هوية بصرية مختلفة. وهذه من وظائف الملصق. لتفكيك الملصق، يجب تفكيك بشير الجميّل. لا يمكن أن يكون مختاراً لأنه شاب. ولا يمكن أن يكون غير محدد طبقياً، فهو يضع ربطة عنق. ولا يمكن أن يكون ضعيفاً، لأنه في صورٍ أخرى يرتدي ثياباً عسكرية زيتية، ويحمل سلاحاً حربياً. يضع نظارات على الموضة أيضاً، أي أنه ليس محارباً نظامياً، ولديه هامش من الحريّة، يمكن لمقلّده أن يحظى بهِ كما هي الحال مع بشير. والملصق ليس لعلاء، ولا لأبو خالد، إنما للذين يرغبون بتقليد بشير الجميّل.
إنه رئيس الجمهورية.
لا يصدّقان أيضاً. ويضحكان بشدة هنا. ما زالت مفردة «سيادة الرئيس» تحدث وقعاً سلبياً. يخافان. ذلك أن الرئيس في سوريا لم يعد تلك اللفظة المخيفة. انهارت الأسطورة. لكن قد يكون الذي في الصورة هو الرئيس فعلاً. لكن مهلاً، لا، يعرفان أن لبنان بلا رئيس (كانت هذه الحادثة قبل انتخاب الرئيس ميشال عون). وعلينا أن لا ننسى هنا، أن بشير الجميّل، هو الآخر، كان رئيساً للبنان. صحيح أنه أتى بطريقةٍ ملتبسة، لكن جميع الرؤساء اللبنانيين أتوا بطريقةٍ ملتبسة. في الذاكرة اللبنانية، عندما تردد اللازمة الرتيبة: «بشير أتى على دبابة إسرائيليّة»، لا يخطر في بال اللبنانيين صورة بشير على دبابة. تخطر في بالهم الصور التي يعرفونها، والصور التي يمكنهم استخدامها ضدّ بشير، وهي صوره مع سيئ الذكر آرييل شارون. وهذا ليس دفاعاً عن بشير الجميّل، إنما هو إحالة إلى وظيفة الصورة، بالمعنى الذي يريده مستخدمها، لا بمعناها كما هي: أي ورودها في سياق طويل. الصورة المقطوعة من حرب. اللافت أن لا علاء، ولا صديقه، ولا أحد من المارة، ولا أحد من الذين ينظرون، يشعر للحظة واحدة، بأن هذا الذي في الصورة، هو شخص من الماضي. لا أحد ينتبه لذلك، أو يسجّل ملاحظةً من هذا النوع، اعتراضاً على استمرار بشير الجميّل في الزمن. لا وارث لبشير على الملصقات في أحياء بيروت الشرقية، ولا في البوستر العملاق، قرب الأطفال الذين يرفعون «دلتا» القوات على أصابع طرية، ولا يعرفون معنى الإشارة.
إنه بشير الجميّل.
نخبرهما أخيراً. ولا يترك الاسم أي وقع أو أثر. لم يسألا بوضوح، لكن بوضوح أيضاً، ما زال العاملان بحاجة إلى إجابة عن سؤال آخر: من هو بشير الجميّل. وأسهل إجابة ممكنة، إنه الذي أمامكم في الملصق. ولا يمكنه أن يكون أي شيء آخر. لقد مات بشير في 1982. كان بالإمكان أن نخبرهما عن بشير.

لا يهتمون من بداخلها، ولا يكترثون كثيراً لنصائح جان بودريار عن آلية عمل الميديا
وعن مشروع بشير. وأن نبحث معاً إن كان ذلك المشروع حياً أو ميتاً، لكن ذلك من شأنه أن يفسد مرح العاملين، وهما يلصقان الصور، من دون أي اهتمام. سبق لهما أن عملا في البناء، وأن رفعا اللافتات في البقاع، يقولان. إنهم من فئة أوسع. ترى وتسمع وتعمل، ولا تشارك في القرار. فئة تضم الذين يرفعون اللافتات، ومن قبلهم الذين يصنعون هذه اللافتات. لا يختارون معناها، لا يشاركون سوى في العمل. العمل على طريقة العمل في المعتقل النازي. الذين يلصقون الصور، والذين يحملونها على ظهورهم وينقلونها في شاحنات إلى أماكنها. العمال. اللبنانيون والسوريون. الذين لا تعني لهم هذه اللافتات وتلك الملصقات أي شيء، سوى أنها بدل أتعاب. لا يهتمون من بداخلها، وماذا تقول، ولا يكترثون كثيراً لنصائح جان بودريار عن آلية عمل الميديا. إنهم من الحاضر وليسوا من الماضي. على الإنترنت قد تجد ملصقاً من الماضي. ملصقات من الماضي وإليه فقط. في لبنان، الحداثة أكلت الشكل ولم تأكل المعنى. الكثير من هذه الملصقات في الصفحة التالية. فتشوا جيداً، لا شيء في الحاضر يشبهها. ولا شيء في الماضي أيضاً بعيداً عنها. ولكن بشير الجميّل نجا من الماضي. ما زال على اللافتات. لا وارث لبشير الجميّل. لا نديم (مع إنو كتير كيوت)، ولا سامي (الصديق الشخصي لراغب علامة). ولا الشيخ أمين. ولا الراحل بيار ابن أمين. لا أحد يمكنه وراثة بشير على ملصق. حتى حامل المشعل، السيد سمير جعجع، لنبقى ونستمر. القوات اللبنانية تعايد شعبها ببطاقات أيضاً، لنبقى ونستمر. ميري كريسماس. ميري كريسماس للعمال أولاً، ولجميع الذين يشعرون بالحرية في أن يمدوا يدهم إلى ملصق على الطريق فيمزقوه، وبأن الشارع ملك عام، ومن حقهم قول رأيهم بصراحة هم أيضاً.