يقف وليد في مقتبل الحقل، جسده ينتصب كامتداد للأشجار المزروعة في الخلفية. لعل الصورة التُقطت خلال تدريب عسكري أو في رحلة صيد. لكن ما نعرفه حقاً أنّ وليد هو شهيد في «الحزب التقدمي الاشتراكي». استشهد قبل عام من انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في عملية اقتحام على محور رأس النبع.


إذا تجاهلنا المعلومات التوثيقية في الملصق وعبارة «أموت ولا أموت فلا أبالي... فهذا العمر من نسج الخيال»، فإن الصورة التي اختيرت لتتصدر الملصق، تجعل وليد أقرب إلى فتى روك متحمس. يلبس جينز داكناً بخصر عال، وقميصاً أسود بلا أكمام، كتبت عليه بالأبيض عبارة No Problem. لذا يمكننا تخيل أنه غيتار، ذلك الذي بين يديه لا البندقية التي يحملها في الصورة الحقيقية.
لسيدة التي يصفها ملصق «الوطنيون الأحرار» بأنها «شهيدة لبنان الأولى»، ابتسامة واسعة. بورتريه سيدة بالأبيض والأسود يلتقط وجهها عن قرب. وهذا ما يكاد يخفي أي ملامح للخلفية، مقابل عناصر كثيرة تظهرها الصورة. يلامس شعرها عباءة مطرّزه بخطوط وزخرفات نافرة. تتراءى أقراط صغيرة في أذنها، بينما تلتف جديلة فوق جبينها. ليس لكل الشهداء الحزبيين حظوظ وليد وسيدة، تماماً كما لا قدرة لهم كلهم على سماع بكاء الباكين وسط طلقات الانتصار وصرخات الفرح التي يفرضها الاحتفاء بالشهادة.
خلّصت العبارة البيضاء جسد وليد من الكتلة الكبيرة لجسد الشهيد، التي تتفق الأحزاب اللبنانية على توحيدها في الملصقات بأساليب مختلفة. يحدث ذلك عبر إضفاء شعار الحزب، وبعض العناصر الطبيعية كالورود والطيور على تصميم الملصق. أما التدخل المباشر في صورة الشهيد، فيتمثّل في انتزاع جلده الثاني أي حرمانه من ثيابه خلال التقاط الصورة واستبدالها بكوفية أو ببدلة عسكرية أو شال أسود وعصبة حمراء. الشهيد في البدلة العسكرية أكثر الأوقات. إنه لا يشلحها إطلاقاً، وبها سيلاقي الأبد. يسهل تخيل ذلك ونحن نتتبع جسد الشهيد الواحد والكبير، وهو يمشي وينطق بآلية قاتمة في «أحلام» أكيرا كوروساوا، أو مثبت داخل مشهديات أخرى على أعمدة الكهرباء التي تزيد أحادية أجساد الشهداء. لكن ما كانت تمرره بعض ملصقات الحرب الأهلية من تفاصيل خاصة بالشهيد وثيابه، بات محالاً رؤيته مع الفوتوشوب الذي ترافق مع ازدياد اهتمام الأحزاب بصورتها الإعلامية. إنه سلطة التدخل في الصورة بعد التقاطها، ما يجعل من نسخ وجه الشهيد على جسد عسكري متشابه، أمراً متاحاً كما في صور شهداء «حزب الله» بعد حرب تموز عام 2006 (خصص لها ربيع مروة فصلاً في محاضرته «سكان الصور»). ومما أتاحته الصورة العفوية نسبياً في بعض ملصقات الحرب الأهلية، هو التمييز بين الأعضاء العاديين، والقادة من الشهداء.
وبعيداً عن تصميم الملصق مثل اسم الشهيد والرسومات والأكسسوارت البصرية المرفقة بالملصق، فإن ذلك التفاوت سيبدو نافراً من خلال صور قادة وشهداء الرأي وحدها. سنراه في ربطة عنق «شهيد البعث وفلسطين الرفيق حاتم كعوش»، وقائد «الحزب التقدمي الاشتراكي» كمال جنبلاط، وفي لمعان بدلة «الشهيد الكبير الرئيس رشيد كرامي». وفي ملصق «منظمة التحرير الفلسطينية» عام 1987، يقف الشهيد حسين مروة ممسكاً بكتاب أمام رفوف من الكتب. تنسحب امتيازات القادة في الثياب ووضعيتهم وحركة أجسادهم الحرة إلى طريقة عرض الملصق ومكانه وحجمه. تفتتح ملصقات القادة بأحجامها الكبيرة عادة السلسلة الطويلة لصور الشهداء، كما قد ترفق بإضاءة وبإطار ومكان بارزين، وبها تُقاد مواكب المسيرات الحزبية. هذه امتيازات لا تصل إلى الشهيد العادي، إلا في ملصقات حميمية له من تلك التي ترفع في حيّه أو في المبنى الذي عاش فيه، وتكون، غالباً، تقدمة من جيرانه وأصدقائه وأهله. وأمام جدران الفوتوشوب والتأطيرات الخارجية الأخرى، تبقى للشهيد لحظات قليلة يستطيع فيها جسده، القفز مجدداً خارج السياق المضبوط مسبقاً. هذه ديموقراطية يمنحها الملصق بفضل قدرته السريعة على الانتشار وتوافره بأعداد كبيرة، وقابليته للالتصاق على أي سطح صلب. وتكاد تكون الفرصة الوحيدة للقاء الشهيد بفرديته المفقودة مجدداً، لكن وفق سرديات الأمكنة الجديدة الثابتة والمتحركة التي يعلق عليها الملصق؛ أمام لوح مناقيش في فرن، وفي تجاوره مع ثياب واجهة محل تجاري أو على زجاج سيارة، وقد يكون هذا الخروج، من حيث لا يتوقع أحد، على شكل بوست على فيسبوك بين أغنية لنجوى كرم ورابط لمقال بعنوان «خطوات للوصول إلى جسم مثالي في ثلاثة أسابيع». أتاح الفيسبوك احتمالات مغايرة لصورة الشهيد، بالتزامن مع انخراط بعض الأحزاب اللبنانية في الحرب السورية مثل «حزب الله» و«الحزب القومي السوري». صارت الملصقات بيد الجميع، وفيها راح الغياب يقتنص الشهداء على طاولة الطعام، أو في ثياب النوم. وبينما تبقى صفحاتهم الشخصية على فيسبوك، مساحات متروكة للتلصص على رحيلهم، بات لهؤلاء، مهما تفاوتت رتبهم، صفحات عامة تنتج مئات الوجوه البشرية للشهيد.