لم تعد صورة الطفل عمران دقنيش («هندسها» مصوّر «مركز حلب الإعلامي» المعارض محمود رسلان) الخارج من تحت الركام في آب (أغسطس) الماضي، علامةً على «مأساة» حلب التي أرادت المعارضة المسلّحة في سوريا تصويرها وخلفها جميع وسائل الإعلام العربية والغربية. فالـ «إندبندنت» البريطانية مثلاً، سألت عبر مقالٍ لباتريك كوكبيرن (كُتب قبل تحرير المدينة بأيام) عن الفارق في تغطية الأحداث بين الموصل وحلب.


أشار الكاتب إلى أنَّ إحدى المدينتين «السُّنيتين» أي حلب التي يقصفها الطيران الروسي، ويحاصرها الجيش السوري، تصوّر على أنّها تستعد «لمأساة» و«مجازر»، فيما الأخرى التي يقصفها الطيران الأميركي ويحاصرها الجيش العراقي «ستتحرّر»، مشدداً في عنوان المقال على كمّ «البروباغندا» والخداع الذي «نستهلكه» كجمهور.
كل هذا لم يمنع صرخات «العويل» والتهويل في الإعلام الغربي على سقوط المدينة الصناعية الأقدم في التاريخ وعودتها إلى الدولة السورية. خصصت الـ «بي. بي. سي» مثلاً نواحاً طويلاً عبر صفحات موقعها، إذ أفردت الكثير من التفاصيل عمّا يحدث، واقتصر تعاطيها مع الأشخاص «القريبين» من المعارضة، فأخذت عن صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً لناحية «التعاطف» مع «الضحايا». هذا التعاطف لم يكن هو ذاته إبان أربع سنواتٍ من حكم «الحركات السلفية» للمدينة. كل هذا طبعاً من دون نسيان «شخصيات» و«نجوم» و«إعلاميي» المدينة مثل عبد الكافي الحمدو، أستاذ المدرسة والناشط صاحب نظرية أننا «لا نخرج من حلب لأن المنطقة محاصرة، ومن يخرج إلى مناطق النظام، يعتقل لأنه كان يعمل مع «المنظمات الخيرية» و«يساعد الناس»» ولينا الشامي الناشطة هي الأخرى، وصاحبة هتاف/ تغريدة: «أيها البشر حول العالم، لا تتوقفوا، أنتم وحدكم تستطيعون القيام بشيء، اهرعوا إلى الشوارع» (وطبعاً كل هذا باللغة الإنكليزية). أبدع الاثنان في «استدرار» عطف الغرب من خلال مقاطع فيديو نشرت على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً تويتر، «يودعون» فيها «جماهيرهم»، ويتمنون منهم «ألا ينسوهم»، مسوّقين لإبادة وشيكة للمدينة على يد النظام. وبالتأكيد، لا يمكن الرحيل من دون «هاشتاغات» من نوع «أنقذوا حلب وأنقذوا الإنسانية» وحتماً باللغة الإنكليزية (save Aleppo, save humanity). «ندب» لم نسمع مثله ــ مرة أخرى ــ حتى أيام أقسى الصراعات بين الجماعات المسلّحة في وحول المدينة.


خصصت «بي. بي. سي»
موقعها للمعارضين، ناقلة وجهة نظر أحادية


في «لوس أنجلوس تايمز» أيضاً، نشرت مقالة كتبتها نينا أغروال، ناقلةً عن «الناشطين» الحلبيين: «لا يمكنكم أن تساعدونا بعد الآن» (الحديث موجه إلى المجتمع الغربي بالتأكيد). كذلك أضافت إلى «النادبين» الاثنين النجمين الحمدو والشامي، أسماء جديدة هي: رامي زين (الصحافي والناشط)، وإسماعيل العبدالله (من القبعات البيض «الشهيرة»)، و(الناشط) صلاح الأشقر، ذا صورة العود على بروفايله على تويتر، للإشارة إلى أنه ليس «إسلامياً»، وهو صاحب التغريدة الشهيرة لمؤيدي «الثورة» قبل أيام: «اذهبوا إلى السفارات، اقطعوا الطرق إلى مقار الأمم المتحدة، ليس هناك وقتٌ لتضييعه»، مع هاشتاغ «قفوا مع حلب» standwithaleppo#. طبعاً، تحدّث معظم هؤلاء «الناشطين» (صفة لا يعرف أحدٌ معناها، خصوصاً أنَّه خلال السنوات الأربع من احتلال المدينة من العصابات المسلحة لم يكن «النشاط» ممكناً)، مع «الغرب» ومع الإعلاميين الغربيين والجمهور الغربي. لا يتحدّثون العربية، ولا يستسيغونها ربما لأنَّ تواصلهم مع الإعلام الغربي يجعلهم «معروفين/ نجوماً» ويسهّل عملية «استقبالهم» لاحقاً «كأبطال» في أيٍّ من دول الاغتراب/ الهجرة. وفي خضم «معركةٍ» كهذه، لم تكن «سي. أن. أن» (تراجع أداؤها كثيراً عن ذي قبل) مقصرةً، فأحضرت تقريباً النشطاء ذاتهم (الشامي، الحمدو، الأشقر، مضيفةً إليهم بلال عبد الكريم)، صارخين: «يا أيها العالم، لماذا أنت صامت؟»، وبالتأكيد مع «تطبيلٍ» وتهويل، و«نواحٍ» لناحية أنّهم «سيقتلون» وأن المدينة تتعرض لإبادة كاملة.
الـBusiness Insider أدلت بدلوها هي الأخرى حين قالت باميلا إينجل في مقالها إنَّ «حلم الثوار كان أن يعاملوا بأحسن من معاملة الحيوانات»، مشيرة إلى أنَّ «السوريين» (جميعهم بحسب المقال) فقدوا الأمل بعد سقوط المدينة. بدورها، أشارت ناتاشا برتراند في المطبوعة نفسها، إلى أنّ قوات النظام قد «أضرمت النار في بناءٍ سكني يقطن فيه أكثر من 100 طفل تقريباً». طبعاً كيف حددت ناتاشا عدد الأطفال، لا يهم. أما الـ «نيويورك تايمز» في مقال «رأي» لفيصل عيتاني، فكانت تنوح «على الآلاف من الشبان السوريين الذين حاربوا النظام ولا مآل لهم إلا السجون أو القتل أو الحروب اليوم». هذا كله من دون نسيان تغطية آنا برنارد وهويدا سعد حول «بين مئات القذائف، مدنيّو حلب يصرخون صرختهم الأخيرة». وبدورها، خلقت الـ «تايمز» «نجمتها الخاصة» عبر بانة العبد ووسام زرقا اللذين استعملت تغريداتهما على تويتر لرواية صورة المدينة حسب «الناشطين» الذين يعادون النظام.
تجدر الإشارة هنا، إلى أن هذه المؤسسات الإعلامية لم تمنح أياً من مؤيدي النظام فرصةً للحديث عن «رؤيتهم» للأمر، حتى يبدو للمتابع الغربي أنَّ «الشعب» بأكمله ضد النظام السوري. كل هؤلاء «الناشطين» يريدون تغيير النظام، خصوصاً مع التركيز على البعد الإنساني إلى حدٍ كبير (نشاهد الحمدو وبانة العبد يتحدثان ويصوران أطفالهما، فيما يصوّر آخرون أطفالاً يلعبون، أو مدارس، أو محالّ أضحت ركاماً مع تحسّرٍ شديدٍ عليها). أضف إلى كل هذا الحديث باللغة الإنكليزية (حتى وإن كانت مكسّرة) أي توجيه الحديث للمواطن الغربي، مع جملٍ تشجيعية «خطابية» من قبيل «تحركوا» و«انزلوا» و«اقطعوا الطرق» و«تظاهروا»، فضلاً عن استدرار العطف الشديد من خلال «لا تتركونا»، و«رسالتنا الأخيرة»، و«كلمتنا الوحيدة» و«فرصتنا النهائية»... كل هذه الجمل والسلوكيات تجعل التعاطف أكبر بكثير، كذلك فإنّها تشبه العمل الدرامي لناحية «جذبه» للجمهور. ببساطة، نحن أمام «شقيق/ صديق» البطل في فيلم الأكشن، الشقيق الذي يجعل البطل راغباً في الانتقام، والبطل في حالتنا هذه هو الحكومات الغربية التي من شأن هذا الضغط الشعبي المحلي إجبارها على التدخل لمصلحة «النشطاء».


http://www.independent.co.uk/voices/iraq-syria-aleppo-mosul-patrick-cockburn-propaganda-we-consume-a7373951.html

http://www.bbc.co.uk/news/live/world-middle-east-38308826

http://www.bbc.com/news/world-middle-east-38299172

http://www.businessinsider.com/aleppo-siege-assad-syria-2016-12

http://www.businessinsider.com/samantha-power-russia-assad-aleppo-2016-12

http://www.latimes.com/world/middleeast/la-fg-goodbye-aleppo-messages-20161214-story.html

http://www.latimes.com/world/la-fg-aleppo-battle-20161214-story.html

https://twitter.com/SalahAshkar

https://twitter.com/Mr_Alhamdo

https://twitter.com/Linashamy

http://www.nytimes.com/2016/12/14/world/middleeast/aleppo-syria-evacuation-deal.html

http://www.nytimes.com/2016/12/14/insider/bana-al-abed-on-twitter-proof-of-life-in-a-war-zone.html

http://www.nytimes.com/interactive/2016/12/14/world/middleeast/aleppo-siege-audio-video.html

http://edition.cnn.com/2016/12/14/middleeast/aleppo-syria-messages-ceasefire/index.html