يبدو الأفق مسدوداً بالنسبة إلى الصحف اللبنانية والعاملين فيها. يمكن اعتبار 2016 عام أزمة الصحف الورقية التي عانت من خضّات كثيرة واضطرت إلى التخلّي عن عدد من الموظفين، والتأخّر في تسديد المعاشات والمستحقّات الشهرية. ويبدو أنّ الأزمة ستتمدّد وتستفحل في 2017.


على أبواب العام الجديد، مناخ سوداوي يخيّم على الصحافة الورقية، إذ تدلّ المؤشرات على مطبّات وتحديات ستشكّل هزّة قوية وتضع الصحف أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستمرار باللحم الحيّ أو التوقّف عن الصدور. في هذا السياق، تتجلى المعاناة بشكل أكبر في خمس صحف هي: «البلد»، «السفير» (ستقفل بداية 2017)، «الحياة»، «النهار» و«المستقبل». تتعدّد مشاكل تلك الجرائد، منها المادية وتراجع سوق الإعلانات وانكفاء التمويل، إلا أنّ الضحية فيها واحد هو الصحافي (المصوّر والمخرج...).
يسيطر الهدوء والسكينة على مداخل جريدة «النهار» الكائنة في وسط بيروت. صمت يخيّم على الموظفين الذين لم يخرج أحد منهم للتحدث عن مشاكل الصحيفة التي تأسست عام 1933. إلا أنّ الجريدة التي ترأس تحريرها نايلة تويني، تعيش أزمة كبيرة تجلّت أولاً في تقليص عدد صفحاتها إلى 12 حالياً. كذلك لم ينل الموظفون مستحقّاتهم منذ 14 شهراً. لكن بحسب مصادر لـ«الأخبار»، فإنّ تويني تهدّئ من غضب العاملين عبر إعطائهم سلفاً (محدودة المبلغ). هذا الأمر أشبه بـ«العضّ على الجرح»، في ظلّ غياب أيّ تحرّك للموظفين المنقسمين حول تقديم شكوى ضدّ تويني، لأنّها معروفة بعلاقتها الطيبة مع وزير العمل سجعان قزي، وفق ما يقول لنا مصدر من داخل الصحيفة. على بُعد أمتار قليلة من «النهار»، تشهد مكاتب جريدة «الحياة» اللندنية (وسط بيروت أيضاً) مشكلة من نوع آخر. يعيش الموظفون حالة ضبابية بشأن مستقبلهم، وخاصة بعد استقالة رئيس التحرير غسان شربل وانتقاله إلى «الشرق الأوسط». تخطّط الصحيفة لعملية دمج مع «لها» التابعة لها بعدما عينت فاديا فهد رئيسة تحرير المجلة، فيما تنتشر أخبار عن إقفال مكتبي بيروت ولندن وتعزيز مكتب دبي. في الاجتماع الأخير للمسؤولين عن الصحيفة، تقرّر الاستمرار بعمل المكاتب في 2017، لأن قرار إقفال مكتبي بيروت ولندن يحتّم تعويضات كبيرة للعاملين، وخصوصاً في لندن. أما بالنسبة إلى صحيفة «المستقبل»، فلم يتقاض العاملون فيها معاشاتهم منذ 15 شهراً. بعد تحرّكات الموظفين كتقديم شكاوى لوزارة العمل، استطاعوا الحصول على تعهّد من المدير العام لجريدة «المستقبل» سعد العلايلي برعاية وزارة العمل يقضي بدفع مستحقّات الموظفين على ثلاث دفعات بدءاً من أواخر الشهر الحالي، إلى جانب دفع مستحقات المصروفين الذين تمّ الاستغناء عنهم قبل أشهر، مع استمرار الدعاوى في مجلس العمل التحكيمي ضد القائمين على الصحيفة. لكن رغم ذلك التعهّد، إلا أن الموظفين لا يشعرون بالاطمئنان، وبخاصة بعد قرار تقليص الصحيفة من 16 صفحة إلى 12. كذلك يُحكى عن إعداد لائحة مصروفين جديدة تضمّ بين 40 و60 موظفاً، سوف يتمّ إبلاغهم قريباً، بل يدور كلام في الكواليس عن احتمال إقفال الجريدة خلال الأشهر المقبلة مع الإبقاء على الموقع الإلكتروني فقط.
في السياق عينه، لا تُحسد جريدة «البلد» على وضعها الحالي، إذ لم يتقاض العاملون فيها رواتبهم منذ أربعة أشهر، في وقت يدور فيه الكلام عن أزمة مادية تعصف بمجموعة AWI («البلد» ومجلة «ليالينا» وجريدة «الوسيط»). فقد تقدّم القائمون على المجموعة منذ فترة بعريضة لوزارة العمل للتخلص من نحو 20 موظفاً بسبب الأزمة المالية التي تعصف بالشركة. يومها، أصدرت الوزارة بياناً لفتت فيه إلى أنّ «بعض الشركات والمؤسسات اللبنانية تواصل تحت حجّة الأوضاع الاقتصادية والمالية المتردية صرف عدد من العمال والأجراء لديها؛ من ضمنها «البلد» ومجلة «ليالينا» وجريدة «الوسيط»».


رفضت وزارة العمل
قرار جريدة «البلد» التخلص
من 20 موظفاً

بعد إجراء اللازم، تأكّدت دائرة التحقيق في الوزارة من عدم توافر شروط الصرف وفقاً للمادة 50 من قانون العمل التي تنصّ «على حماية حقوق الأجراء كاملة من دون أي انتقاص». لكن هذا القرار لم يضغط على الشركة لتدفع مستحقات موظّفيها، ما دفع بعض العاملين إلى تقديم استقالتهم. يعيش موظفو مجموعة AWI حالة «قرف» كما يصفها بعضهم، في ظلّ الأجواء السوداوية التي تسيطر على الشركة التي تملك فروعاً لها في مختلف الدول الخليجية. كلّما طالب موظّف بمستحقاته، يكون الجواب «إذا «السفير» بدّا تسكّر، شو العتب علينا. و«النهار» ما عم تقبّض. ما حدا أحسن من حدا»!
هنا، تطرح علامات استفهام كبيرة حول مسؤوليات وزارة العمل ونقابتي المحررين والصحافة. مَن يسمع كلام وزير العمل السابق سجعان قزي حول وضع المؤسسات الإعلامية، يشعر بالصدمة كأنّ كل شيء على ما يرام. يقول قزي لـ«الأخبار» «وحدها «السفير» لجأت إلى «وزارة العمل» لحلّ أزمتها، ووافقت الوزارة على إقفال الصحيفة بعد إيجاد حلّ ودّي بين القائمين على الجريدة والموظفين الذين وقّعوا على براءة ذمّة للإدارة. كان دور وزارة العمل مثاليّاً. أما بالنسبة إلى «البلد»، فقد تقدّم مديروها بلائحة موظفين للاستغناء عنهم، لكن الوزارة رفضت ذلك. كما طلبت من AWI إرسال لائحة بجنسيات الموظفين، على اعتبار أنها مؤسسة تضمّ غير لبنانيين أيضاً، للوقوف عند وضع اللبنانيين فيها».
ينفعل قزي عند سؤاله عن تأخير المعاشات في بعض المؤسسات الإعلامية. يقول: «لا شكوى لدينا عن تأخير المستحقات المالية في أيّ وسيلة إعلامية. قبل فترة، زارني في الوزارة موظفون من «المستقبل» وواحد من «النهار»، وكشفوا لي تفاصيل التأخيرات. طلبت منهم تقديم شكوى للتحرّك إلى جانبهم، لكنهم رفضوا. هل أنا نيابة عامة!؟». حال وزارة العمل ليست أشفى من وضع نقابة الصحافيين، بل إن الوضع فيها مضحك ومُبكٍ. في اتصال لـ«الأخبار» مع نقيب الصحافة عوني الكعكي للوقوف على وضع الصحافة الورقية في لبنان، يفاجئنا بدعوتنا إلى تناول فنجان قهوة في مكتبه. بكل ثقة، يقول الكعكي «ما فيني أعطي رأيي بهالموضوع عالتلفون. أنا مش سياسي تجاوب بسرعة. أحبّ أن أكون جدياً في هذا الموضوع!؟». الغريب أنّه يومياً تصلنا عشرات الرسائل الإلكترونية عن أنشطة نقابة الصحافة من استقبالات الكعكي ودعوات العشاء والغداء التي يلبيها. أفلا تحتاج الصحف إلى مبادرات ودعم بدل استقبال الفنانين والسفراء؟ تراشق المسؤوليات بين وزارة العمل وأصحاب المؤسسات يقابله إهمال واضح لنقابة الصحافيين، كلّ هذا الأمر يضع المهنة على المحكّ، ليبقى السؤال: هل إقفال «السفير» بداية العام المقبل 2017 يفتح شهيّة الصحف الأخرى على الإقفال؟!




آخر مستجدات «السفير»

بات معروفاً أن «السفير» ستُقفل أبوابها في أواخر الشهر الحالي. ومع قرار إقفال الصحيفة التي تأسست عام 1974، توجّهت الأنظار نحو العاملين الذين يبلغ عددهم نحو 120 (بين صحافيين ومصوّرين ومخرجين)، وكيفية دفع تعويضاتهم. وكان رئيس التحرير طلال سلمان قد طمأن الكلّ إلى أن حقوق العاملين محفوظة، وسوف ينالون تعويضاتهم كاملة حسب سنوات خدمة كل واحد منهم، وفق ما يقول لنا مصدر من الصحيفة. في هذا السياق، عقدت أمس أوّل جمعية عمومية تألّفت من موظفي «السفير» بدعوة من نقابة الموظفين في الصحيفة. بحثت الجمعية في أمور التعويضات، بخاصة أن إقفال الصحيفة جاء بحجّة الطرد التعسفي. وأشار المصدر إلى أنّ الخلاف حالياً مع الادارة يتمحور حول ضريبة الـ 10% التي تعود إلى وزارة المالية. هذا الأمر يرفضه العاملون، وطلبوا من الادارة التوسّط لدى وزارة المالية لحذف الضريبة، أو التفتيش عن حلول أخرى. وتقرّر تأليف لجنة للبحث في مشكلة الضريبة للتوصّل إلى حلّ يريح العاملين. إذاً، بدأت رحلة موظفي «السفير» للحصول على تعويضاتهم، على أن تشهد الأيام المقبلة المزيد من الاجتماعات واللقاءات مع الادارة. فهل تكون تعويضات الصحافيين مُنصفة بحقّهم بعدما عملوا سنوات طويلة، وبعضهم رافق الجريدة منذ ولادتها حتى يومها الأخير؟