«حوِّله إلى النيابة العامة». اصطكّت أسنان المحقق، بينما بدت على وجهي ضحكة ساخرة. لم أعِ جدّية ما يحدث معي. المحقق يتصبّب عرقاً بعد قرار القاضية. ساعتان من التحقيق المتواصل في كلمات معدودة، ونغمة الهاتف الكلاسيكية تضيف دراما إلى أجواء الاستجواب.


أجريت اتصالاً هاتفيّاً كما طُلب مني. وبعدما حضرت بدايةً برفقة عمّي، ذهبت برفقة الشرطي، فيما عاد عمّي مصحوباً بكلمة «أف» وخشّة هاتف.
هاتفي وأنا أصبحنا صامتَيْن. ساقني الشرطي إلى النظارة عبر رواق طويل ونظرات حادّة، كأنّني أُساق إلى حبل المشنقة. لم أفكر إلّا بإلقاء التحية والنكات على الموقوفين. «كتبت ستاتوس على حسابي على فايسبوك». هذا كان ردّي على سؤال «أبو ربيع» عن تهمتي. «أبو ربيع» أو أحمد كنفاني، هكذا عرّف عن نفسه. في هذه اللحظة، لم يخطر في بالي سوى أن أسأله عن غسان كنفاني، وما إذا كانت بينهما صلة قرابة. فوجئ الرجل بسؤالي، مجيباً بآخر: ما هو الوطن؟ من دون تفكير، أجبته: «هو ألا يحدث هذا كله».
11 شخصاً كانوا أصدقائي في الغرفة الصغيرة. كانوا أصدقاء النظارة. لكل منهم حكاية وطرفة وموعد، يشبهون الكتابات التي تملأ جدران المكان الأربعة. أغانٍ وشعارات وأسماء ناس مرّوا من هنا... الضحايا كثر والجلّاد واحد.
«يا حجة ما تخافي». لا أعلم إن كانت كلمات «أبو علي» هذه باردة على دموع أمي الحارة. كنت أعلم فقط يا أمي أنّني حرٌ في الداخل وأنتم مسجونون في الخارج. أنا يا أمي بخير طمئنيني عنك. كل صباح كنت أنتظرها. وضعت لها جدول مواعيد في رأسي، بين التاسعة والنصف والعاشرة، كانت تزورني برفقة علب الطعام البلاستيكية، وثيابي النظيفة، ووسادتي، وأخبار جديدة، وألواح الشوكولا التي أحب. لكنني لم أكن أنتظر الطعام، لم أنتظر خبزها أو قهوتها. كنت أحنّ إليها فقط، ولأبي الذي كان يمشي في رواق المنزل ألف مرّة في الليلة.
كان الوقت بطيئاً جداً. وكانت نهاراتي تقتصر على نقاشات «أبو ربيع» و«أبو علي» وتحليلات سياسية وسياسيين. «أبو علي» الذي اعتبر ما كتبته جريمة ولن يمر مرور الكرام، و«أبو ربيع» الذي يحاول تارة أن يعلمني كيف أكون دبلوماسياً في حياتي الاجتماعية، ويحدثني طوراً عن المعارك التي خاضها مع «حركة فتح» وإخوته الذين استشهدوا في مجزرة «صبرا وشاتيلا» وعن الحرب الأهلية، وعن طليقته وزوجته وابنه «ربيع» الذي يشبهني.
خلال أيامي الأربعة في النظارة، تعلمت أيضاً لعب «الطرنيب» و«الليخة»، وأشياء كثيرة عن تزييف العملة، وكيفية تحويل الورق الجديد إلى أثري... كل يوم كان بمثابة نشرة إخبارية أنتظر فيها معلومة وأجوبة جديدة لأسئلتي اللامتناهية. هذا طبيعي بالنسبة إلى شاب لا يفقه بالشرائع والقضاء وكيفية سير المعاملات القانونية.
كنت أسمع دائماً من الشرطيين الذين يتناوبون على حراسة النظارة أنّ الإعلام في الخارج يشتعل بسببي. كنت أضحك وكانوا هم يغضبون، فضحكتي الساخرة لم تختف يوماً، لكنها كانت تتحوّل أحياناً إلى حزن ساخر. كما حدث في الليلة الرابعة حين طرقت أذنيّ أصوات المتضامنين في الخارج: «حرية حرية باسل باسل حرية». حسبتها شيئاً جميلاً لا أريده أن ينتهي، لأنّه حوّل انكساري إلى تنهيدة جميلة.
جاء يوم السبت الذي سأنتقل فيه للعيش في نظارة النيابة العامة في بعبدا. ودّعت نظارة «مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية» وأصدقائي فيها. أنا الذي يكره التغيير، شعرت ببرودة الأصفاد في يدَيّ. زياد الرحباني كان مسجوناً أيضاً في راديو السيارة، يغني عن حال البلد.
في النيابة العامة، كانت النظارات لا تستوعب أشخاصاً جدداً، ومع ذلك وُضعت في النظارة الثالثة أنا ومحمود درويش وكيم أدونيزيو اللذين رافقا أمي بالمجيء إلى هنا. مقالات مختارة لدرويش في كتاب «في وصف حالتنا»، وقصائد أدونيزيو الجميلة في كتابها «أشياء أخرى تأتي من بلاد العم سام». الكتاب الأول ظل بحوزتي ولم يعره أحد انتباهاً، أما الثاني، فكانت صورة الكاتبة موضوعة على الغلاف، ما دفع الجميع إلى قراءة محتواه واصفين إيّاه بالـ«جنسي»!
«النيسكافيه» والقهوة كانتا باردتين، تماماً كالغرفة التي لم أعتَدها بعد. هذه المرّة، لم أرَ أمي إلّا مرة واحدة خلال اليومين اللذين قضيتهما هناك. الناس هنا يعيشون كجماعات ومقاطعات (مسلمين ومسيحيين وسوريين). هذا التقسيم هو التقسيم نفسه الذي شتمته في الخارج.
جاء يوم الاثنين على عجلة، وقاضي التحقيق ينتظرني بفارغ الصبر، وأمي وعمي وبعض مراسلي المؤسسات الإعلامية. كانت أقوالي خلال التحقيق تقتصر على ما كنت أعنيه في تلك اللحظة الشمطاء (كتابة البوست)، واعتذارات وتنازلات للرضوخ لإخلاء السبيل.
«باسل الأمين... إخلاء سبيل». حسناً، هذا كان سريعاً، وكان صوت الشرطي أجمل من صوت فيروز حينها. وضّبت أشيائي وتركت الوسادة علّها تكون ذكرى عابرة أو تنتظرني إذا عدت ثانية. خرجت لأجد الجميع يصرخ ويهتف كأنني سجّلت هدفاً في اللحظات الأخيرة من مباراة كرة قدم حاسمة. عموماً، كل ما صادفته في تلك الأيام من قصص وعجائب ومظلومين كثر، كان لا بد من أن يكونوا خارج القضبان النتنة، ويكونوا أحراراً لتنبض فيهم الحياة من جديد. والجلاد ما زال حراً!