دمشق | هذه المرّة، سيفاجئنا يوسف عبدلكي (1951) بالذهاب إلى منطقة تشكيلية محظورة، وغير متوقعة، كنّا نظن أنها طويت منذ ستينيات القرن المنصرم. في ذلك التوقيت البعيد، انتهت حقبة «الموديل العاري» من كلية الفنون الجميلة في دمشق، وتالياً من المحترف السوري بأكمله.


بدا أنّ ريحاً أخرى عصفت بمزاج المدينة العريقة التي لم تعد تحتمل أن ترى صورتها القديمة في المرآة، مستبدلةً إياها بمجاز الحشمة الكاذبة، وكمحصلة لمزاج شعبي محافظ أخذ يقتحم الشارع الدمشقي تدريجاً بأفول طبقة بورجوازية، وصعود طبقة أخرى محمولة على أهواء الانقلابات العسكرية والهزائم والهتاف.


انتشال الجمال النائم في التفاصيل المخبوءة
والهوامش
الآن في هذه اللحظة التي تزداد سواداً وعنفاً واضطهاداً للجسد الأنثوي خصوصاً، يطلع علينا هذا التشكيلي السوري البارز بمجموعة من الأعمال التي تنتمي إلى «العاري». لن نجد تفسيراً لهذه الاستدارة المباغتة في سجل عبدلكي إلا أنه ذهب إلى الخطوط الأمامية بكامل عتاده لاستعادة الجسد المنتهك من قفص الأعراف والفتاوى، وإزاحة ما لحق به من أثقال فائضة عن حاجته كي يتنفس أوكسجيناً لطالما حُرم من استنشاقه.
لم يمنع الطقس الشتائي القارس من أن يزحف المئات إلى «غاليري كامل» في دمشق لحضور معرض عبدلكي الجديد. كانت المفاجأة من العيار الثقيل. بالكاد نجد شظايا من مناخاته القديمة لجهة اعتنائه بالطبيعة الصامتة. لا أسماك مربوطة بحبال متينة. جمجمة واحدة، زهور محاطة بسور من المسامير الصلدة، صدفة بحرية تضيء مناخات الراحل نذير نبعة، أرادها رسّامنا أن تكون تحية لمعلمه. عدا ذلك، أعملَ عبدلكي قلمه الفحم بالتقاط تفاصيل موديلاته العارية. لكن العري هنا يذهب إلى مقاصد إيروتيكية شفيفة أكثر من اعتنائه بإغواءات الجسد الأنثوي، ذلك أن تناسق الجسد يأتي في المقام الأول، كما لو أننا إزاء رسم زهرة، أو صدفة بحرية، في أحوال النور والظل.
28 عملاً تمثّل الجسد بانحناءاته وحركة أطرافه وتمرده على سكونية محيطه، بما يتيح بناء عمارة سردية مضمرة تطيح منطقة الشهوة لمصلحة التكوينات الخطيّة وتناغم الكتلة في الفراغ. تالياً، فإن هذه الأعمال لا تخرج عملياً عن أسلوبية عبدلكي في الحفر والغوص في انتشال الجمال النائم في التفاصيل المخبوءة والهوامش والإحالات. على أن المأثرة الكبرى لهذا المنعطف التشكيلي تتجسد في التوقيت، بما يقع في باب المغامرة التشكيلية أولاً، واقتحام الأرض المحرّمة ثانياً، وذلك بنبذ الفتاوى والقيم القروسطية التي تدعو إلى احتجاب الجسد والتنكيل به وسبيه واغتصابه بوصفه غنيمة حرب ذكورية، وقبل ذلك إشارة إلى مواجهة البشاعة باللجوء إلى منابع الجمال، وترميم المسافة التي أعطبت صبوات الجسد الأنثوي بتابوهات لا تحصى. وإذا بالتحريم هو السائد كدمغة متكرّرة حيال أي محاولة مضادة. في «المقتَلَة» السورية التي سرقت كل ما عداها، كان لا بد من تعزيز حضور الجسد بقصد تخفيف وطأة القبح المتراكم. لسنا حيال حوريات، بل أجساد عارية تتأرجح بين الحميمية والطهرانية. أجل لقد تعب يوسف عبدلكي من رسم الأحصنة والجنرالات والسكاكين والعصافير المقتولة، من دون أن يصل إلى نسمة هواء نظيفة تطيح طبقات العفن. فكان عليه أن يتوغّل عميقاً في اكتشاف ما يعزّز الجمال كسلاح فتّاك في مقاومة البذاءة التي تحاصر حياتنا من كل الجهات. وإذا به يميط اللثام عن كنوزٍ مخبوءة قسراً.


لكن ماذا يفعل رسّام سوري في غياب موديله؟ يوضح يوسف عبدلكي بأنّ الموجة المحافظة التي اجتاحت المجتمع العربي، منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم، منعت الموديل في أروقة كليات الفنون سواءً في بغداد أو دمشق أو القاهرة، مما أدى إلى غياب المنهجية في رسم الموديل «العاري»، إذ لم يعد متاحاً للتشكيلي العربي أن يرسم الجسد تشريحياً، وفي المقابل لا يمكن الركون إلى هذا الغياب. بعد بحثٍ مضنٍ ويأس طويلين، وجد عبدلكي مبتغاه، لكن معظم ممن وافقن على رسمهن لم يواصلن جلسات الرسم بسبب السفر أو الهجرة أو الخشية من فضيحة. يذكر أنّ إحداهن اعتذرت فجأة عن عدم الجلوس عارية في مشغله، إثر غضب شقيقها لاكتشافه بأنها تدخّن السجائر في غرفتها سرّاً «فما بالك لو علم أنها موديل عار، سيذبحها بالتأكيد». سبع موديلات تعاقبن على الحضور والغياب إلى أن اكتمل هذا المشروع الحيوي بجسارة قلم فحم لطالما انتظر هذه اللحظة، لإعادة الفن إلى مجراه الطبيعي من دون دلالاته التي كان يلجأ إليها الآخرون مجبرين تحت ضربات معاول المنع والتحريم واحتضار القيم الباسلة.
هكذا تراكمت، عقداً وراء عقد، أوراق نعي الفن الطليق ونزهات العري الممنوعة. لم ينسَ تشكيليو المحترف السوري ضجة الاستنكار التي واكبت لوحة رسمها الرائد ناظم الجعفري قبل عقود لشقيقته وهي ترتدي «ديكولتيه» يبرز جزءاً من صدرها، عبوراً إلى اختفاء منحوتة تدمرية من مدخل المتحف الوطني في دمشق، وإشاعة تسمية قسم النحت في كلية الفنون الجميلة بقسم «الأصنام»، إلى تغطية تمثال عارٍ لأحد الآلهة القديمة بوشاح بقصد إخفاء «عورته»، وصولاً إلى محاكمة أحد أساتذة كلية الفنون بتهمة تدريس فن العاري لطلابه تحت بند «مراعاة الذوق العام».

ستعجز هالة الفيصل عن عرض لوحاتها العارية في صالات دمشق بذرائع مختلفة، كأن الإنسان يحمل خطيئته وآثامه في جسده الذاتي، وفقاً لما يقوله أسعد عرابي الذي واجه محنة مشابهة في تلقي أعماله، واصفاً ما يحدث بعبارة للألماني جورج بازيلتز «إن المتفرّج غير المدرَّب لا يرى في اللوحة العارية إلا فضيحة أخلاقية».
سنختزن أطياف عاريات يوسف عبدلكي في الذاكرة طويلاً، إذ ستحط هذه الأعمال في الربيع المقبل في غاليري «كلود لومان» الباريسية، ولن تعود غالباً إلى مسقط رأسها ثانيةً، في احتفالية كبرى يرافقها كاتالوغ شامل لأعمال وتجربة هذا التشكيلي الذي طالما كانت معارضه حدثاً استثنائياً في مدن الإثم والأقنعة والنعاس.
على الضفة الأخرى من المعرض، سنجد رهاناً إضافياً على مقترحاته في شحن الطبيعة الميتة بعناصر وتقنيات تضعها في مقامٍ آخر أكثر ألفة ودهشة في آنٍ. رهان نشأ من إعلاء شأن ما هو متروك جانباً، فالعنصر الذي يسيطر على فضاء اللوحة بمفرده، يشكّل إحالة بصرية صريحة، إلى حياة كانت تنبض قبل قليل في هذه المساحة الصامتة، فهناك ما هو مؤجل على الدوام، تقترحه ظلال الأبيض والأسود بأطياف لا مرئية، تتكثّف بإيماءة صغيرة، تذهب باتجاهين متناقضين، هما الحضور والغياب. وفي السياق السردي ذاته، يمكن رصد محرّضات أخرى تنطوي على صوغ حياةٍ أخرى لكائناته، لكن من زاوية نظر شعرية صرفة، بشحنة مباغتة تتسلل بمهابة من منطقة الظل.

إحداهن اعتذرت فجأة عن عدم الجلوس عارية في مشغله،
خوفاً من غضب شقيقها

ذلك أن رهافة قلم الفحم، لا تتوقف عند بهجة الاكتشاف والرصد والمعاينة، إنما تحلّق عالياً في إعادة الاعتبار إلى الفراغ، والمراهنة على إضاءة الكتلة المركزية بخطوط صارمة ومتقشفة، تمنحها بريقاً إضافياً، كما تكشف عن إيقاعاتها الداخلية. ووفقاً لما يقوله التشكيلي المصري عادل السيوي، فإن هذا الفنان «طبّاخ ظلال ماهر، يعرف أولاً، تلك المنطقة التي تشعل الظلال فيها العواطف وتخطف العين، ولكنه يدرك أيضاً، أين تقع تلك النقاط التي يشتبك عندها النور بالظلمة، بعيداً من تصادم الأضداد».
هكذا يزاوج عبدلكي بمهارة بين بلاغة الزهرة المتفتحة للتو والجسد العاري في ارتباكاته، وذلك بضربة فحم واحدة مكتفياً ببلاغة الأبيض والأسود فقط، في تبرير ضرورة «حماية الجمال من التلف والإهانة واللامبالاة والنسيان».

* معرض يوسف عبدلكي: حتى 15 كانون الثاني (يناير) 2017 ـــ «غاليري كامل» دمشق ــــ للاستعلام: 00963116112965