لوحات تشكيلية ليست للناظر المستعجل، بل للمتأمل الدقيق، والباحث المحترف، أو لمتذوق اللونيات الذكية الصعبة، لمن يتحدى ملل الرتابة اللونية، باحثاً عن التجديد في قلب الحركة النمطية والتكرار الارتقائي، غير العبثي. أكثر من 20 لوحة للفنان حسين ماضي (1938)، الذي يرسم في بعض الأيام قرابة 15 ساعة متواصلة، تعرض في «غاليري عايدة شرفان».


تختلف تواريخ إنجازها بين 2008 و2016، تجمع غالبيتها ثيمة واحدة: الطيور. لوحات تضيق بمساحة الغاليري الحميمية، وتطير بالناظر مع المفردات البصرية إلى طيور ماضي التكوينية الجذر، حيث لا نهاية للبحث ولا للحركة الكونية في الفلك التشكيلي «الماضوي»
«ليس هناك نهاية! طالما أنني أتنفس ويداي تطاوعان فكري، سأظل أعمل. اسمه فن أم لا، يقولون عنه جيد أم لا. لا دخل لي بما يقال. أنا أعمل بما تمليه عليه خبرتي. هذا ما أفعله. هذا أنا، ألعب بالأشكال والألوان!. ,وألعب كي أربح أيضاً», هكذا يختصر حسين ماضي طبيعة علاقته بفنه في حواره مع «الأخبار»، قبل أن يضيف حاسماً: «لا يوجد ما هو جديّ أكثر من اللعب!».


ملعب تشكيلي خاص
يمنح أهمية بنيوية للشكل والهيئة والقالب والكتل


اللعبة طويلة طيلة عمر، والألعاب ممتعة، واللاعب ماهر أياً كانت أرض اللعب ومهما صعبت قواعد اللعبة، من دون تعدٍّ ولا «زعبرة» وهذا صنو الرابحين. عايدة شرفان التي تعرض أعمال ماضي منذ أكثر من 16 سنة، تؤكد ذلك في مقدمة قائمة الأعمال الخاصة بالمعرض الحالي: «ببساطة، ما إمضاء حسين ماضي في أسفل أعماله، إلا تمثيل لاستعداده للعب وفقاً للقواعد».
ملعب حسين ماضي التشكيلي الرحب ينمو ويزهر مع كل معرض جديد، وكلما مر الوقت، تنضج الثمار أكثر. تفتيش لوني ضخم، وبحث بصري ريادي. تعبيران يختزلان الانطباعات الأولى عند النظر إلى لوحات ماضي. لا يختلف ناقدان على الأهمية البصرية (أوبتيكال) للوحات ماضي، بالمعنى التقليدي الأكاديمي الصرف، الخاص بكيفية بناء العلاقة بين الألوان. في نسبة تكاد تكون غالبة في لوحاته، يؤكد كل قارئ للعمل على حضور البحث اللوني المعمق. ويكاد كل ناقد يجزم أنّ عملياً لا فنان لبنانياً آخر يقوم بهذا البحث الفريد.
هذا التفتيش في العلاقات اللامتناهية للألوان مع بعضها بعضاً، هو بالنسبة إلى فنانين كثر جزء غير بنيوي. أما بالنسبة إلى لوحات ماضي، فهو عمودها الفقري. بالتالي، إن هذا التفتيش اللامتناهي عن اللون وعلاقته باللون الثاني، يجعلان هذا «اللاعب» البارع معلّماً في اتقان لعبة الألوان. التفتيش اللوني هام بحد ذاته، لكن ما يميز أعمال ماضي، هو دفع البحث اللوني إلى حدود قصوى من الاختبار المكثف، وهو بلا شك نقطة تفوّق حاسمة في أسلوبه ومنطقه التشكيلي. لا يمكن لقارئ لوحات ماضي إلا أن يذهل أمام قدرة هذا الفنان على نقلنا إلى عالم حيث صيغه اللونية مركبة بخبرة السنين، ومروحة ألوانه متنوعة حد الفيض.
كل عالَم «نظريات الألوان» نراه مطبقاً في هذه اللوحات، في هذا الملعب اللوني البصري الرحب الذي يقدمه ماضي للناظر، سواء في بحثه عن دوزنة الغوامق والفواتح، أو لعبة تشبيع اللون (أي صفاء اللون) أو حتى في خاصية البحث في تناغم أو تنافر الدرجات والقيَم اللونية، أو سلّم متفرعات الدرجات الرمادية (وهي غالباً الأصعب والأعقد) وهو بحث أساسي في تلك الأعمال.
«دنيا الألوان واسعة، هذا مختبر. يعني إذا وضعنا اللون الأبيض مع الأسود، نحصل على اللون الرمادي. لكن أي رمادي؟ هناك بحر من الاحتمالات والإمكانيات كي نصنع لوناً رمادياً. يمكن مثلاً أن نضع لوناً بنفسجياً مع الأصفر والأزرق، فنصنع بالتالي إحدى الدرجات في سلم عالم اللون الرمادي. هذه معرفة عمرها سنين طويلة من البحث، والأهم، الجرأة! فإذا لم يقترن التفتيش والبحث اللوني عند الفنان بالجرأة أو إذا تسرب إليه الخوف من الألوان، فالنتيجة ستكون أيضاً خائفة، وخجولة» وفق ما يصرح ماضي لنا.
إلى جانب البحث اللوني الفريد والمقدام، هناك الملعب التشكيلي الخاص بماضي، الذي يمنح أهمية بنيوية أيضاً للشكل/ الهيئة/ القالب/ الكتل. إذا وضع اللون وحده على القماشة، سيعطي شكلاً تجريدياً، مجرداً ومجانياً. تجريدية الهيئة هذه ـــ بمعنى فقدان الهوية للشكل المجرد ـــ غائبة كلياً عند ماضي. حتى إنّ أبسط خط مستقيم وخط منحنٍ مقوس، يشكلان عند ماضي خلاصة الهويات ومنطلقها نحو المعنى. يحلّل ماضي الطير كمصطلح بنيوي بصري مختزل، مكون من خط مستقيم وخط منحن مقوس. في أوقات أخرى، يزيل الخط المستقيم ويبقي المنحي، والعكس بالعكس وفق متطلبات اللعبة التأليفية وأبعادها. هو يبحث عن المغزى لا عن المجانية. إذا أخذنا الخط المستقيم والخط المنحي المقوس ونغير موقعهما ونسبهما، سنحصل على كل شيء عملياً. هذه رؤية ماضي وهذا ما يترجمه رسماً.
إذاً إلى جانب الحضور اللوني المشغول بدقة وعمق، يضع ماضي أشكالاً ذات هوية، لا تقبل التجريد العاري عن الفهم. وفي معرضه الحالي، نرى أنّ بنية العصفور المختزلة بأسلبة «ماضوية» هي الشكل الرابط بين غالبية اللوحات المعروضة، كما هي القاسم المشترك في أصل الهوية المفهومية عند الفنان، على تنوع احتمالات الكتل التي يلخص بها ماضي عنصر العصفور أو غيره.
يحترم ماضي ذكاء الناظر، يحفّزه على البحث تلقائياً في قلب العناصر التي استقى منها أشكاله، أي المستمدة من تأمل عميق لهذه الطبيعة، للخلق، للكل، لمنطلق الذرة التي يتكون منها كل شيء في الكون. كل ذلك ضمن إطار بصري واحد، فيشرك المشاهد في لعبة هو قائدها. هكذا، تبدأ رحلة ثنائية بين الفنان والناظر لتجذير الرؤية وملاحقة الشكل النابض أو الراقص على مساحة اللوحة «الماضوية» المسطحة. يدخل ماضي الكرة إلى ملعب الناظر، ليجذبه تلقائياً إلى ميدانه الخاص في اللوحة، إلى عالم أشكاله وألوانه هو المايسترو الوحيد فيها. يتورط الناظر بفرح في حبها، أو يدمنها لا فرق. لعل أبرز تعبير عن أثر الشكل التشكيلي «الماضوي» ورد في كتاب «حسين ماضي لاعب الأشكال» لعباس بيضون، حيث يقول: «ماضي بحق لاعب أشكال بقدر ما هو صانع أشكال. إنّه أيضاً في نقطة التوتر بين الإرادة والحرية، فماضي لا يصنع أبجديته لكنه أيضاً يصنع عالمه الذي يملك في أحيان ما وجوداً فيزيائياً».
يشرح ماضي لنا المسار التقني لحركة تأليف أشكاله: «آخذ العنصر، الشكل الواحد، وهذا الشكل الواحد يتكرر مرات عدة بأوضاع، وأحجام وألوان مختلفة. هذا ما يجعل العمل المتشكل عبر العنصر الواحد، يُرى باستمرار بلا ملل. وكي يكتمل العمل، يجب أن يقترن بعناصر عدة. بشكل أساسي يجب أن تكون هناك معرفة بأصول الرسم وبتكوين الموضوع على المساحة المسماة لوحة، ثم هناك الخبرة في التلوين. كل هذه العناصر لا تأتي بالصدفة، بل بعد بحث دؤوب عمره سنوات! هي ثمرة سنين طويلة من البحث والعمل الجدي كي يصل الفنان إلى النتيجة المرجوة. إذا غابت معرفة هذه العناصر، من رسم وتكوين العمل والمساحات، وهوية الألوان، لا نأملنّ الحصول على نتيجة مرضية. هذه شروط أساسية».
ويضيف «في حال أخذ الفنان موضوعاً من الواقع وصوّره كما هو، بخاصة إذا كان متقناً لأصول الرسم، فهذا فن المهنة. أما اذا كان العمل انطلاقاً من المبدأ الذي اتكلم عنه، فيصبح بالتالي مهنة الفن. لذا هناك فرق واضح. ولا بد لنا من أن نعرف فن المهنة أولاً كي نصل لاحقاً إلى مهنة الفن».
هذا ما يطبقه ماضي بالفعل. هو ما زال ينجز حتى اليوم رسومات من الواقع أيضاً، إلى جانب أسلبته واختزاله الأشكال في بحر الخيارات اللونية المشغولة باحتراف. يعلّق: «لا تأخذ الموهبة غالباً حيزاً أكبر من 5%. أما الـ 95% المتبقية، فهي للعمل الجاد الدؤوب. والرسام يرسم دائماً. هذا هو المنطق السليم في الرسم: الرسم باستمرار كي تبقى أعيننا قادرة على ملاحظة المسافات بين الاشكال التي نراها، والألوان وفروقات الاحجام، كما أوضاع الأشكال باستمرار، وكي تبقى هناك تجربة دائمة في التفتيش عما نريده من لون. قد يبقى الفنان لساعات جالساً يبحث عنه، كي يصل إليه ويضعه في مكانه الصحيح. من يستسلم في هذه الطريق، لن يحصل على النتيجة المرجوة أبداً».
إذاً لا يمكن أن نصل إلى الأسلبة المعمقة عبر العناصر التكوينية إلا إذا كان الأساس هو التمكن من تقنية رسمها السليم المبني على التأمل المعمق في الطبيعة المحيطة بنا، والتجربة والصبر والبحث والجرأة. تلك حال حسين ماضي الرسام الواقعي البارع الذي تطور بحثه ليصل إلى ما هو عليه من احتراف في قولبة الأشكال في اللوحات، فنراها كلعبة ليغو هندسية مغرية للرائي أو حتى لعبة casse tête يصنعها بنفسه ويركب أحجامها وكلماتها السرية وح ده، طارحاً إياها في ملعب الرائي كملف بصري بحثي حد الذهول.
ذرائع جمالية/ استيتيقية يستعملها الفنان لتوظيف الألوان والأشكال بطريقة مبتكرة. فهو من اختزل العصفور بهذا الشكل، وعلاقة هذه الكتلة بتلك، هو الذي حددها ونسج تفاصيل نسبها وبنيانها البصري التأليفي المتناغم لصالح اكتمال اللوحة.
تضيق الكتل أو تتسع. يرفع الخط أو يسمك. أنماط صغيرة متكررة تتشابك فوق بعضها تخلق معاً نسيجاً نمطياً مركباً لتقميشة من الأشكال. تلمع موجات الالوان البصرية/ اوبتيكال وعلاقتها ببعضها بانية بياناً بصرياً، مفرداتها كلها مستمدة من الطبيعة، ومؤسلبة على طريقته الخاصة... متسقة ومتناغمة كتناغم وتنافر وحدات الكون.
على حد تعبير ماضي، كما نقلت عنه عايدة شرفان في مقدمتها: «الكون مؤلف من وحدات متعددة، كل وحدة لها خصوصياتها المميزة. ولأن كل تكوين إلهي أو بشري، معرَّفٌ بدقة عبر شكله، لونه، موضعه وترتيبه، فإنّ في وسعنا أن نراقب ونتعلم قراءة كل ما يحيط بنا. مسؤولية الفنان هي تلقف المقاييس التي وضعها الخالق واستخدامها بنظام وترتيب. الفنان لا يخلق، هو فقط يختبر ويكتشف طرقاً جديدة للتعبير».

* معرض «لوحات حسين ماضي»: حتى 30 كانون الأول (ديسمبر) ــ «غاليري عايدة شرفان (الصيفي) ـ للاستعلام: 01/985701 ـ madiart.me