عام 1983، اجتاحت شظايا قذائف العدو الإسرائيلي منزل جنان مكي باشو (1947) في كورنيش المزرعة. منطقة كانت أيضاً خط تماس بين مختلف الفئات المتصارعة في لبنان. عندها، بدأ عمل الفنانة اللبنانية على تطويع المواد الحديدية وتحويلها أشكالاً فنية. «أشعر أنهم اغتصبوا حياتي وبيتي، وأنا أنتقم من هذه القذائف، لكن انتقامي جمالي/ استيتيقي، فأنا أطوعها لإرادتي التشكيلية».


هكذا تعبر باشو لـ «الأخبار» عن جذور تطويعها الشظايا الإسرائيلية التي انهالت على الأرض اللبنانية، مضيفةً: «كل هذه القذائف صنعت في إسرائيل Made in Israel». لكن الفنانة حولتها بإرادتها الصلبة إلى أرزات خالدات، تتحدى عنف العدو وتبقى رمزاً للخلود. ألم يقل ليوناردو دافينشي: «إنّ جسداً جميلاً لا محالة زائل ميت، لكنَّ العمل الفني لا يموت أبداً»؟
لكن كيف تعمل باشو؟ وكيف بدأت بتطويع المعدن والشظايا، وانتقلت في معرضها الجديد «حضارة» إلى ما بعد الشظايا/ الأرزات؟ إلى أفق التشكيل بالحديد، حيث «الفراغ هو الشكل، والحديد هو محيط الشكل» كما يقول النحات والمعلم الدنماركي روبيرت جاكوبسن. الأخير اشتهر بالدمى الحديدية، خاصة في الستينيات بعد انتقاله إليها من عالم التجريد، جامعاً بقايا المواد الحديدية، وصاقلاً إياها في منحوتات بنت نهجاً فنياً مستمراً حتى اليوم؟ وهو يحضر تلقائياً إلى ذاكرة الزائر البصرية عند رؤية أعمال باشو الجديدة... فأين بدأت رحلة جنان في عالم الصقل الحديدي؟
الموضوع بدأ برغبة عندها في التجميع وفق ما تسرّ لـ «الأخبار». راحت تصفّ مئات الشظايا الكثيرة طوال سنة، كي تستطيع أن تختار ما يتناسب من القطع مع بعضها البعض. بعدها، صقلتها وحوّلتها إلى أرزتها الشهيرة التي أصبحت أشبه بإمضاء لها.
إذاً، مع الأرزات الشظايا بدأت قصة تطويع المعدن. لكن المشهدية التي يراها زائر معرض جنان مكي باشو في «غاليري صالح بركات»، أوسع وأضخم من حدود العمل على الشظايا، ولو أنّ الأخيرة كانت منطلق العمل بالمعدن عند الفنانة اللبنانية منذ عقود. وإذا كانت الأرزات تستقبل الزائر في الطابق العلوي للغاليري، فإنّ المفاجأة الأساس تكمن في تصميم مساحة العرض المدهشة في الطابق السفلي.
يقول روبيرت جاكوبسن: «مع الحجر تتنقل عبر الأشكال.


مشهدية الإعدام
بحد السيف والسبايا وبيع النساء في الأقفاص

أما مع الحديد، فأنت تعرف الشكل، لكنك تختار المساحة». ولإعطاء المساحة المصقولة مكانها في المساحة الكبرى للغاليري، صمّم الغاليريست صالح بركات هذا العرض بنفسه، كما صرحت مديرة الغاليري كارول شهاب لـ «الأخبار». بركات ذو الرؤية الثاقبة صمّم كل هذا المسرح الهندسي، وكيّفه بمساعدة طاقمه لإبراز أعمال جنان الحديدية وإعطاء كل جزء منها حقه ومستحقه، كمن يجوّد أحرف قصيدة روائية ينقلها إلى الملأ بكامل تفعيلاتها وإحساسها عن كاتبتها جنان مكي باشو. هكذا، أكملت مهارة التصميم والطرح البصري، تشكيل روايتها ووضعاها في إطارها الجغرافي الصحيح.
هو كلٌّ متكامل يجعل المواد التي قدمتها جنان معرضاً متماسكاً في مساحة تسمح لكل ما يعرض فيها أن يكون جذاباً، فكيف بدبابات وأدوات حرب؟ كيف بموتوسيكلات الإرهابيين، وزوارق المهاجرين اللاجئين؟ ساحة متكاملة تشبه تجسيم خارطة كبيرة لبلاد صمّمها صالح بركات للعرض هذا، فكانت هناك حصة للأرض كما للبحر وزوارق جنان الحديدية المصقولة بتقنية عالية ومتمايزة عن بقية المعرض لناحية كيفية السبك وكيفية التشكيل بالحديد، ونوعية الكتل الحديدية المستعملة وصقلها بشكل متراص.
إلى ذلك، يلاحظ الزائر تنوعاً في تكوين بنى الدمى الحديدية، فمنها الشخوص المصنوعة من أوراق حديد مسطحة بلا أبعاد إضافية، فبقي شعور طي الورق هو الأقرب إلى المتلقي. تلك كانت بداية العمل على تأليف الشخوص/ الدمى الحديدية، لتنتقل بعدها باشو إلى صقل شريحتين حديديتين متقاربتين، فتعطي بالتالي بعداً إضافياً للأشخاص، وتلك المرحلة الثانية. ثم جاءت المرحلة الثالثة والأعقد تركيبياً حيث طُوِّع المعدن ليشكل حركة شبه دائرية لتكوين الشخوص/ الدمى الحديدية. تشير باشو إلى تفصيل هام: «لم أرد أن يكون للجلاد والضحية شكل واحد أبداً!». عملت باشو على تكوين هويتين بصريتين مختلفتين لكل منهما، تحديداً عبر ثنائية واضحة تفصل بين شكلي رأس الجلاد ورأس الضحية. تقول: «غالباً ما كنا نرى على شاشات التلفزة أنّ القاتلين التكفيريين مقنّعون، وكذلك الأمر خلال الحرب اللبنانية. أما رأس الضحية ـ الذي غالباً ما سيقطع للأسف، ولم أقطعه ــ فاشتغلت عليه بطريقة يبدو معصوب العينين تماماً كما كنا نراه أيضاً».
في الترجمة العملية، تلفّ باشو الجزء الأعلى من رأس الدمية الضحية بشكل حزام، خلافاً لرؤوس دمى القاتلين التكفيريين. الأخيرة تتكون من كتلة شبه دائرية فيها شرخ في الوسط كأنها فتحة العينين في القناع، وتحمل باشو الجلاد أيضاً سيفاً من صُنعها. هذا ما نراه عند أغلبية الشخوص/ الدمى الحديدية التي تشكل جزءاً أساسية وبنيوياً في مشهدية المعرض ككل. فحضور الإنسان في المعرض طاغٍ رغم أنّ الانطباع الأولي يوحي بأنّ الغلبة لقطع السلاح أو حتى الأعلام، وهذه مشهدية تعود بذاكرة الرائي البصرية إلى فيلم Mad Max الشهير.
ثم هناك مجموعات الأقفاص على أرض رملية إلى يمين القاعة، تشير إلى اختطاف التكفيريين للناس وأسرهم ثم مشهدية إعدامهم بحد السيف، أو حتى مشهدية السبايا وبيع النساء في الأقفاص. كلها هنا، لم يفت باشو أيّ من تفاصيل مأساة عصرها. هي تردد على مسمع كل من يلقاها حزنها وأساها على ما يصيب بلادنا جراء الهجمة التكفيرية من قتل وتدمير للإنسان والبنيان وصولاً إلى الكتاب والآثار التاريخية.
لا شك في أنّ الكثير من الفنانين عبر التاريخ عملوا على تطويع الحديد والمعدن، لكن قلة نادرة ـ جنان منها- نقلت أول انطباعات الحرب وأسلحتها. هذا طبعاً إذا استثنينا متاحف الحروب المتخصصة أو متاحف الأسلحة أو متاحف تاريخ البلدان حيث تكثر المجسمات التي تنقل بدقة فنية وتقنية تصاميم الأسلحة أو ساحات المعركة، أو حتى مواقع المعارك والعديد والعتاد كما تجسيمها على خرائط ثلاثية الأبعاد، عسكرية المهام أو متخصصة. هذا إضافة إلى المتاحف التي تعتمد المواد الأساسية من دون تعديل كشاهد توثيقي على حقبات تاريخية معينة. وفي لبنان نموذج هام منها، هو «متحف مليتا» في جنوب لبنان.
تقول باشو بتواضع قل نظيره: «ربما يكون هناك إنسان حرفي يستطيع أن يقدم تفاصيل الدبابة أو الموتوسيكل أفضل مني بأشواط، لكن مهمتي كفنانة ليست التقليد الصرف، فمهمة الفنان الاستيتيقية أبعد من ذلك، هي كيفية طرح الفكرة لا نسخها كحرفي».
باشو لا تصنع الدبابة كدبابة، بل تبدأ بالهيكل ثم يتطور العمل تدريجاً: «أحذف ثم أضيف، ثم أركب ثم أحوِّر.. وهكذا، تماماً كالروائي الذي ينقح نصه. لا صورة متكاملة منذ البداية، العمل لدي في طور التعديل دائماً». وهذا بطبيعة الحال عكس أي عمل حرفي قائم على نسخ الصورة الحاضرة مسبقاً.
الفنانة العاطفية، التي لا تتحمل الأعمال الباردة الخالية من الأحاسيس الإنسانية، تبني المستقبل كمن يراه ماضياً، فيسرع إلى التصويب. تصيغ التاريخ لهدف مستقبلي. «أكتب التاريخ لأحفادي. للصغار أولاً. أحزن نعم، لأنني أرى المشاهد القديمة تتكرر. ولا أريد لحفيدي أن يعرف إلا الحقيقة». بهذه اللهفة التي تصل إلى ختام الحوار معنا، تسرّ بالسبب الكامن وراء انطلاقة حقبة ما بعد الشظايا/ الأرزات: «كانت شاحنة صغيرة جداً، صنعتها بكثير من الحب لأهديها لحفيدي كي تبقى ذكرى معه، ثم سرعان ما تطورت، وها هو المعرض اليوم».


* «حضارة» جنان مكي باشو: حتى 7 كانون الثاني (يناير) ــ «غاليري صالح بركات» (كليمنصو) للاستعلام: 01/365615