القاهرة | لم تكن الحياة الروتينية المفرغة هي ما دفع الموظف سمير إلى خوض مغامرة في المجهول، بل فقدان تلك الحياة. هذه المرة، قرر المؤلف أحمد مراد اختصار الطريق، بدلاً من كتابة الرواية ثم تحويلها إلى فيلم سينمائي كما في روايته/ فيلمه الأسبق «الفيل الأزرق». قرر التأليف للسينما مباشرة، بنصيحة من صديقه ورفيقه المخرج مروان حامد. قرر كتابة سيناريو «ما لا تعرفه عن بهية» للشاشة الكبيرة مباشرة، لكن الفيلم نزل إلى الصالات باسم «الأصليين».


يصعب معرفة ما إذا كان اختيار ماجد الكدواني لدور موظف البنك سمير عليوة اختياراً موفقاً بسبب تناسب مواصفاته الجسدية والعمرية مع الدور، أم لأنّ موهبة الكدواني الكبيرة تسمح له بالإجادة في كل دور. على أي حال، فقد كان اختياره بطلاً لفيلم في موسم العيد ـــ موسم أحمد السقا ومحمد رمضان وتامر حسني ـــ قراراً جريئاً، تماماً كما فكرة الفيلم نفسها التي خرجت عن الإطار التقليدي للسينما التجارية. لم يتقدم الفيلم قائمة الإيرادات، لكنه حقق وضعاً مستقراً في الشباك تجاوز الملايين الستة حتى الآن، منافساً إيرادات النجم محمد هنيدي، بل متقدماً عليه في بعض ليالي العرض. وضع يسعد منتجي الفيلم بلا شك («ريد ستار» و«نيوسنشري») بالنظر إلى حجم كلفة فيلم الكدواني مقارنة بكلفة أفلام الـ «سوبر ستارز».
بعد 15 عاماً من الخدمة المخلصة، تتغير حياة سمير عليوة «الكدواني» في لقطة من السخرية السوداء، فالساقان الجميلتان للموظفة الجديدة في البنك، سرعان ما تسلبانه حياته المهنية، حين يكتشف أنّ الموظفة الشابة قد جاءت لتحل محله هو لا غيره، في إطار خفض النفقات. لم يعد أمامه سوى اختيارين: تعويض مالي بائس، أو صرف سنوات في ساحات القضاء من دون ضمانات («طوال حياتي بالوظيفة لم أر شخصاً يربح قضية ضد البنك»، يقول سمير في لقطة أخرى).


احتفظ مروان حامد بقدرته
على تقديم صورة جميلة
يختار «التعويض» مجبراً، ويبدأ البحث الهستيري عن وظيفة أخرى من دون أن يخبر زوجته ماهيتاب (كندة علوش) بما جرى. لكنه بحث بلا جدوى لشخص عادي لم يعد شاباً ولا يتمتع بكفاءة نادرة، ثم يخصم البنك «قسط الشاليه» من تعويضاته. وهكذا، حين ينزل سمير من سيارته ليصرف نقوداً تحتاجها ابنته المراهقة، تخبره شاشة ماكينة الصرف الآلي بالحقيقة الصارخة: حسابه البنكي صار «صفراً». وهنا، في قمة اليأس، وفي تطور درامي نموذجي، يتصل به «الأصليين»، أو بعبارة أخرى، يبدأ الفيلم.
«احنا الأصليين، روح الوطن يا سمير، حراس الأرض» هكذا يخبره رشدي (خالد الصاوي)، مندوب «الأصليين». اسمه الكامل «رشدي أباظة»، في إِشارة ساخرة لكن بلا دلالة. الدور الذي قدمه الصاوي بخفة ظل و«مزاج»، تراوح طوال الفيلم في مساحة بين الحكمة «والتهريج». لكن وظيفة الشخصية كانت قيادة سمير إلى العالم الذي دخله لتوّه: إقناعه بتوقيع عقد غامض في كتاب ضخم ليكون واحداً من «الأصليين». بموجب ذلك، يحصل على وظيفة أخرى لا علاقة لها بمؤهلاته، فهي مجرد غطاء لوظيفته «الحقيقية» منذ الآن، وهي الدخول إلى عالم يستطيع منه أن يراقب أي شخص في أي مكان: «مافيش حد ما بيتراقبش» حتى رشدي أباظة نفسه ثمة من يراقبه. في عالمه السحري الجديد، لا حدود لقدرة سمير على مراقبة أي شخص حتى في غرفة نومه أو في حمامه لو أراد، مشروطاً بقاعدة واحدة: ألا يتدخل في حياة من يراقبهم، لكنه لا يستطيع أن يقاوم ذلك التدخل في مهمته الأولى: مراقبة ثريا جلال (منة شلبي)، التي يفتتح ظهورها النقلة الثانية في فيلم «الأصليين».
على الرغم من الخيانة التي تتعرض لها ثريا في حياتها الخاصة، ومشكلاتها الأسرية، إلا أنها تكشف لسمير الذي يراقبها خواء حياته. هي تعمل باحثة في شيء على غرار «دراسة انحدار الحضارات» كما يخبره رشدي أباظة في شبه سخرية. إلا أن «الحب»، بوصفه شيئاً خطيراً، هو ما يدفع الأصليين إلى تخصيص سمير لمراقبتها. الحب، واحدة من إشارات عديدة يتسارع ظهورها مع النصف الثاني من الفيلم، بعضها مفهوم، وبعضها يعبر من دون أن تتضح ضرورته الفنية. بعضها شبه كوميدي، مثل شفرة «عيون بهية»، وبعضها متضارب مثل سرد روايتين مختلفتين ـ بلا داع- للقصة الشعبية «بهية وياسين»، فضلاً عن شذرات عديدة عن الطبيعة والأرض و«القرين» و«النداهة» (جنية فولكلورية)، وأخيراً زهرة «اللوتس الأزرق»، التي افترضت الباحثة ثريا أنها كانت وراء التفوق العبقري لقدماء المصريين وإطلاق خيالهم، قبل أن «يجرّفها الرومان» لهدم التفوق المصري. لا يمكن هنا عدم استدعاء «حبّة الفيل الأزرق» التي تطلق خيال أبطال رواية مراد التي تحولت إلى فيلم على يد المخرج نفسه مروان حامد. لا يمكن أيضاً عدم التفكير في أن فيلم «الفيل الأزرق» كانت حبكته أكثر إقناعاً، ربما لأنه بني على فكرة مرت أولاً بمرحلة «الأدب»، فنضجت حبكتها.
وإذا كانت حبكة مراد في «الأصليين» أضعف من حبكته في «الفيل الأزرق»، فإن مروان حامد احتفظ بمستواه، وبقدرته على تقديم صورة جميلة (مدير التصوير أحمد المرسي)، وإيقاع جيد (مونتاج أحمد حافظ). نجا من فخ الإملال خاصة في المرحلة «الروتينية» من حياة سمير في الربع الأول من الفيلم. جاءت موسيقى هشام نزيه موفقة بغير تميّز، ولم يمكن ممكناً النجاح في الإيهام الفني لعمل من عالم الفانتازيا، من دون الأداء الجيد لجميع طاقم التمثيل، والرائع خصوصاً من ماجد الكدواني.