ضمن مقال نشر في «الأخبار» تحت عنوان «العمل النقابي وتحولات المهنة الإعلامية» (9-6-2015)، تسأل أستاذة الإعلام في الجامعة اللبنانية نهوند القادري: «إذا كانت المهنة الإعلامية تشهد كل هذه التحولات المتسارعة، وتعيش أزمة نتيجة عدم مواكبتها للمستجدات (..) فهل يمكن للنقابة أن تكون بمنأى عن هذه التحولات؟».


هذا السؤال طرح قبل عامين ضمن مؤتمر بعنوان «دور النقابات الإعلامية في لبنان» تناول الاهتراء الذي أصاب العمل النقابي في شقه الإعلامي، وخروجه عن مواكبة العصر وزمن التكنولوجيا، والتغيّر السريع الذي شهدته مهنة الصحافة، ونأيه عن الأزمات المتلاحقة التي أصابت الجسم الصحافي، من تسريح فردي وجماعي من المؤسسات الإعلامية، وبالتالي غياب الأمن الوظيفي والحصانة المهنية، وخرق للأخلاقيات بشكل مطّرد، تحت ذريعة تأمين نسب مشاهدة عالية.
كل هذه المشهدية القاتمة التي طبعت الصحافة منذ عقود، وارتكزت إلى قانون بالٍ للمطبوعات ناهز عمره الـ 55 عاماً، أي مرّ عليه نصف قرن، تبددت هذا العام، وتحديداً يوم 23 أيار (مايو). في ذلك التاريخ، أعلن وزير الإعلام ملحم رياشي عن «مشروع تطوير نقابة محرري الصحافة اللبنانية» الذي وصف بـ «التاريخي»، وأقرّ في مجلس الوزراء تمهيداً لدرسه من قبل «لجنة الإعلام والاتصالات» النيابية، وتحويله إلى قانون نافذ. المشروع يفتح المجال أمام جميع الصحافيين في مختلف المجالات، المطبوعة والإلكترونية، والمرئية والمسموعة، بالانتساب إلى هذه النقابة، كما جاء في نص المشروع: «بما أنّ الحاجة باتت ملحّة لتنظيم هذه القطاعات ضمن إطار نقابي جامع (...)، وعدم اقتصار الانتساب إلى نقابة المحررين، على العاملين في المطبوعات الصحافية الورقية».


منع أي جهة قضائية أو أمنية من استدعاء أي صحافي، قبل العودة الى نقابة المحررين


إلى جانب فتح النقابة ذراعيها لكل العاملين في الجسم الصحافي، بعد حرمانهم لسنوات من الدخول إليها، وبالتالي تنظيم مهنتهم وتحصين أنفسهم في مواجهة تراكم الأزمات التي يتعرضون لها، يتضمن المشروع ثلاث نقاط أساسية: الأولى تتعلق بتأمين الحصانة النقابية للعاملين/ ات، بمعنى منع أي جهة قضائية أو أمنية من استدعاء أي صحافي، قبل العودة الى نقابة المحررين. أيضاً، تم الاتفاق على إنشاء صندوق للتعاضد المهني، وآخر للتقاعد، كي «لا يبقى أي صحافي متقدم في السّن، يشتغل ليعيش» على حد تعبير الوزير آنذاك. ومن ضمن المشروع كذلك ــ والأمر بدا لافتاً ــ تنظيم قانون التعاقد، إذ يحق للمحرر بالقطعة (Pigiste)، الانتساب الى هذه النقابة حيث سيحظى بالحماية اللازمة من أي استغلال وظيفي. ولعلّ الأهم هو إلغاء شرط أن يكون المحرر منتسباً للضمان الاجتماعي كي يصبح عضواً في النقابة... هذا الشرط شكل عائقاً في ما مضى أمام دخول كثيرين إلى هذه النقابة. علماً أن هذه المهنة تنحو إلى العمل الحرّ أكثر من التنظيم المهني. وتبقى النقطة الأهم في هذا المشروع، إلغاء النقيب «الأبدي»، وحصر الولاية بثلاث سنوات فقط، وعلى مدى دورة واحدة فقط.
سبعة أشهر تقريباً، دارت فيها رحى هذا المشروع بين وزارة الإعلام اللبنانية ونقابة المحررين، أفضت الى تأليف لجنة مشتركة من الجهتين، توصلت الى صيغة نهائية جمعت بين تعديلات كل منهما. في هذا السياق، يشرح لنا عضو نقابة المحررين الصحافي واصف عواضة، عن كواليس هذا المشروع الذي اقترحه رياشي، انطلاقاً من كلام الأخير: «لا يجوز من الآن فصاعداً أن يتبهدل الصحافي»، ناقلاً عنه وجوب توفير الحصانة وحقوق التقاعد للصحافي، ولا يجوز رميه في مأوى للعجزة، كما يحصل مع العديد من كبار الصحافيين اليوم. من جهة أخرى، يؤكد عواضة على أهمية تعديل قانون المطبوعات، وتقوية المحررين، وتوفير «الحماية النقابية والاجتماعية» لهم. ويلفت الى أهمية هذا المشروع بكونه يتيح الانتساب لجميع العاملين في قطاع الإعلام، ويحول النقابة إلى ordre أي نقابة مهنة حرة، ويحصّن الصحافي قضائياً في حال استدعائه. يتوقف عواضة عند الواقع الحالي الذي ناهز عمره الأربعين عاماً، عبر طرح سؤال (باستنكار شديد): «بأي حق أصحاب الصحف، ينسِّبون المحررين؟»، مضيفاً: «لا يجوز الاستمرار هكذا؟».
لكنّ هذا المشروع، الذي يجمع الخبراء وأهل الصحافة على أهميته، وكسره لحواجز عدّة كانت تحول دون دخول كثيرين الى الجسم النقابي، خلق في الآونة الأخيرة كباشاً مع «نقابة الصحافة». قبل فترة، أصدرت الأخيرة مذكرة اعتراضية تعتبر فيها مشروع القانون «خطوة مجتزأة وناقصة»، واصفةً لحظة إقراره في المجلس الوزاري بـ «الأسلوب المباغت». ودعت نقابة الصحافة الى الانتقال بـ «بصورة حاسمة» من قانون المطبوعات الى قانون الإعلام الجديد الذي ينتظر بدوره الإقرار في مجلس النواب. لا شك في أنّ مشروع قانون تعديل مواد «نقابة المحررين» هزّ «نقابة الصحافة». بحكم القانون السابق، كانت «نقابة الصحافة» هي الآمرة والناهية، وفق الوضع الذي أرساه عام 1953، تاريخ إنشاء ما سمّي «مجلس أعلى للصحافة» الذي يضم النقابتين، ويرأسه نقيب الصحافة ويعيّن فيه نقيب المحررين نائباً له. هذا المجلس أرسى لجاناً مشتركة بين النقابتين، من مجلس تأديبي، ولجنة الجدول النقابي الموحد، ومنح «نقابة الصحافة» الحق في تقرير انتساب المحررين الى النقابة. اليوم، انتهت كل هذه القيود، وأضحت «نقابة المحررين» كياناً مستقلاً. اعتراض «نقابة الصحافة» على هذا المشروع دفع بـ «المحررين» إلى الردّ بأنها لا تسعى الى «إلغاء نقابة الصحافة». جلسة واحدة فقط جمعت النقابتين ونوقش فيها المشروع الجديد، أفضت الى اعتبار أنه من الضروري التمييز ما بين الطبيعة المهنية والطبيعة الاستثمارية لكل صاحب مطبوعة. بمعنى أن كل مستثمر وصاحب مطبوعة، لا يعطى صفة الصحافي، والقوانين التي تتعلق بالاسثتمار هي التي ترعى أوضاعه. وبذلك، تقسّم المهام بين النقابتين، وتصبح «المحررين» نقابة واحدة «تضم جميع الإعلاميين» كما ورد في بيان «المحررين» أخيراً.
«نقابة الصحافة» التي أصدرت في 12 حزيران (يونيو) مذكرة اعتراضية كما ذكرنا، وأخرى داخلية تتوجه الى رياشي (19 حزيران/يونيو)، يشرح خلفيات كل منها عبد الكريم خليل أمين سرّ نقابة الصحافة، والمشارك في اللجنة المشتركة مع «المحررين» والوزارة. في مقابلة مع «الأخبار»، اعتبر خليل أن مشروع وزير الإعلام يسعى الى «فكّ العلاقة بين نقابتيّ الصحافة والمحررين»، نافياً أي تدّخل من قبل نقابته في نقابة المحررين، رامياً هذا الأمر على ظهر النقيب السابق الراحل ملحم كرم الذي كان يتدخل بحكم علاقته مع النقيب السابق الراحل محمد بعلبكي. يستند خليل في دفاعه عن بقاء النقابتين تحت خيمة واحدة، الى أهمية بقاء «نضال النقابة من أجل المهنة» من منطلق «أنّ في هذا الاتحاد قوة أكبر».

اعتراض «نقابة الصحافة» على المشروع دفع بـ «المحررين» إلى الردّ بأنها لا تسعى الى إلغاء النقابة
ويضيف أنّ من شأن إبقاء الأمور كما هي «التخفيف من إساءة استخدام السلطة في تنسيب الأعضاء». واعتبر مشروع قانون تعديل «نقابة المحررين»، أمراً جزئياً، يحال اليوم الى مجلس النواب، مقابل قانون الإعلام الجديد الذي يتضمن هذه الإصلاحات، مما يفرز «صداماً إجرائياً» بين المشروعين على حد تعبيره. ويشدد خليل على حرص النقابة على توسيع القاعدة الإعلامية بكل تشعباتها، وتبني قانون الإعلام الجديد بكل ما ورد فيه. ولدى سؤاله عن الاعتراض الذي خرج من نقابة الصحافة بوجه هذا المشروع، أكدّ أن هذا الأمر حصل مع النقيب الراحل، والمجلس الحالي تابع هذا القانون وشارك فيه، مضيفاً أنّ ما حصل أخيراً، كان مفاجئاً، في وقت كانت فيه «نقابة الصحافة» تبحث عن حلول لأزمة الصحافة في لبنان، وكيفية دعمها، لكنّ «أحداً لم يهتم» كما يردف خليل.
إذاً، أنهى مشروع قانون «المحررين»، سطوة «نقابة الصحافة» التي استمرت أربعين عاماً. قانونياً، يفنّد لنا، المحامي طوني مخايل، بنود هذا المشروع، الذي أتاح حرية الانتساب في مادته الثانية، بخلاف ما جاء في «قانون المطبوعات»، الذي ألزم المحررين بالدخول الى هذه النقابة، مع عدم اشتراطه أيضاً أن ينحصر عمل الصحافي في الصحافة كما نص قانون المطبوعات. إذ وسّع هذا المشروع الانتساب للعامل في الحقل الصحافي حتى لو «كان له مورد رزق آخر». ولعل الأهمية بمكان في بنود هذا المشروع، خروجه من حصرية الصحافة المكتوبة، ليشمل باقي القطاعات الأخرى، بما فيها الإلكترونية، مع عدم ورود تعريف عن الأخيرة في هذا القانون، وتحديدها، ووضع إطار لها، وسط طفرة المواقع الإلكترونية اليوم. من ضمن الملاحظات القانونية، يركز مخايل على قضية حماية الصحافيين، من أي اعتداء او استدعاء، أو ملاحقة قضائية، وضرورة التأكيد على حقهم في الوصول الى المعلومات والتنقل. وفي تشريح لشروط الانتساب الى «نقابة المحررين»، لا سيما في القطاع المطبوع، الذي يخص فقط الكتّاب والمحللين والمحررين، يلحظ مخايل هنا عدم شمولها «كل من أسهم في العمل التحريري» كما نصت المواد السابقة في قانون المطبوعات، مع إعطاء حيّز أكبر للمرئي والمسموع، في شروط الانتساب، وتضييق أكثر للصحافة الورقية والإلكترونية.
المشروع الجديد الذي ألغى نصوص المواد من 89 الى 94 في «قانون المطبوعات» ووضع أخرى جديدة، يحمل إشكاليات وعلامات استفهام عدة تبعاً للمحامي في مؤسسة «مهارات»: أولاً، مَن يحدد دخول المحررين «الجدد» إن صح إطلاق هذه الصفة عليهم؟ هل هو المجلس الحالي بصيغته الحالية، المنحصر ربما بالصحافة المكتوبة؟ وماذا عن آلية الترشيح والانتخاب في ما بعد؟




ضائعة في أروقة القضاء؟

قبل عامين، وتحديداً في آب (أغسطس) قبل موعد انتخابات «نقابة المحررين»، نشطت صفحة «صحافيون من أجل نقابة مستقلة وشفافة وديمقراطية» على السوشال ميديا، كحركة اعتراضية على هذه الانتخابات، في ظل إجرائها بناء على نظام داخلي يعود الى عام 1981، مع وجود «غالبية راجحة ممن لا يحق لهم الاستمرار في الانتساب الى النقابة أو التصويت أو الترشيح»، وحرمان المئات من الصحافيين من الدخول الى هذا الجسم النقابي. وقتها، دعا هؤلاء الى إقرار قانون جديد وعصري، وها هو يتحقق اليوم مع مشروع تعديل «قانون المحررين». إلا أن الانتخابات أجريت، وأعيد إنتاج الطاقم نفسه السابق الذي يرأسه الياس عون. وقتها، قدم هؤلاء المحررون طعناً قانونياً بشرعية الانتخابات ووّقع عليه أكثر من 250 محرراً وصحافياً. حتى هذا التاريخ، لم يصدر أي قرار قضائي في هذا الشأن. عن هذا الأمر، يخبرنا أبرز وجوه هذه الحملة مدير موقع Grean Area الإلكتروني بسام القنطار، أن القضاء في لبنان «جهاز مطاطي» ولم يحدد منذ سنة ونصف السنة أي جلسة حكم للنظر في هذه الشكوى. وعن مشروع القانون الجديد الذي وصفه بـ «الإنجاز التاريخي»، قال إنّه كرّس «استقلالية النقابة» عن «أصحاب الصحف»، وفتح المجال أمام أهل الإعلام من مختلف المجالات، بعدما كان الأمر محصوراً بالصحافة المطبوعة.