لا شك في أن وزير الاعلام ملحم رياشي شعر أنّه يحقق حلماً مهنيّاً وشخصيّاً قديماً، لحظة موافقة مجلس الوزراء على مشروعه بإطلاق نقابة للصحافة في لبنان، على أسس قانونيّة وتنظيميّة جديدة: نقابة تقوم على فلسفة جديدة للمهنة وتحديدها، وآليات تنظيمها وحمايتها. نتحدث هنا، بتعبير أدقّ، عن قرار مجلس الوزراء الموافقة على مشروع قانون تعديل مواد في قانون المطبوعات المتعلقة بإنشاء نقابة المحررين.


الصياغة القانونيّة الباردة، تضيق بالفرحة وبعظمة الانجاز، وإن كنّا في أوّل الطريق. فما حدث في مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، وينتظر الآن تصويت «ممثلي الشعب»، هو نتيجة نضالات طويلة، بدت لنا دونكيشوتية أحياناً، لفرط صمود الديناصور وتمسّكه بامتيازاته… نضالات كان للصحافي ملحم رياشي دور فاعل فيها حينذاك، إلى جانب زميلات وزملاء آخرين، سعوا إلى زحزحة «النظام القديم»، الاقصائي وغير الديمقراطي والفاسد والعقيم وغير الشفّاف، الذي تمثل بـ «إتحاد الصحافة اللبنانيّة».
يقوم «الاتحاد» العتيد على أسطورة قديمة قدم الاستقلال، أسطورة الأب المؤسس لـ «الجرنال»، وكان طبعاً صحافيّاً حمل كشّته على ظهره وجعل منها مؤسسة. بقي صحافياً، وصار صاحب مؤسسة. هكذا يجمع الاتحاد، ضد كل منطق، وضد الفكرة النقابية والمطلبية من أساسها، «أرباب العمل» أي «نقابة الصحافة اللبنانية»، و«عمّالهم» إي «نقابة محرري الصحافة»، من خلال جدول نقابي موحّد، هو بيت القصيد. ولا نستغرب حشرجات الديناصور الآن، إذ سرعان ما صدر بيان احتجاج على هذا الانجاز المهم، عن مجلس ما يسمّى «نقابة الصحافة اللبنانية»، بقيادة النقيب عوني الكعكي. وهي في الحقيقة نقابة أصحاب الصحف، أو أصحاب الامتيازات (بمعنى رخص الاستثمار وعناوين المطبوعات)، الوهميّة بأكثريتها… هؤلاء قلقون (بعضهم على الاقل، فالتعميم يظلم) على مصالحهم وامتيازاتهم (بالمعنى العريض للكلمة). لا يريدون التخلّي عن شيء، بعد تحكّم مشبوه دام عقوداً، بالممارسات والقواعد والموارد التي تقوم عليها الحياة الاعلاميّة في لبنان. عقود بقي خلالها النقيب نفسه لا يتزحزح في «الصحافة»، كما في «المحررين»، على صورة النظام السياسي. تلك المنظومة قامت على الجدول السحري «المقفل» طوال أيّام السنة، ليُفتح على غفلة، بين حين وآخر، على أسس غامضة (اقرأ: على أساس الانتماء المذهبي أو المحسوبيات المختلفة…)، مفسحاً لتسلل أعضاء معيّنين دون سواهم، بطريقة اعتباطيّة. هذا الجدول ضمّ أعضاء توفّاهم الأجل أيضاً، وأعضاء لا علاقة لهم بالمهنة، زج بهم لاعتبارات شخصيّة أو «انتخابيّة»!
مشروع القانون الذي جاء ثمرة عمل لجنة مشتركة من وزارة الاعلام و«نقابة المحررين»، يعلن ولادة نقابة جديدة، لطالما طالب بها ناشطو حملة «صحافيون خارج الجدول النقابي» وسواهم لسنوات، إنّها نقابة الصحافة، أو نقابة الصحافيين والصحافيّات، نقطة على السطر. نقابة للجميع دونما تمييز أو تفضيل، تضمّ كل العاملين في مختلف مجالات المهنة وقطاعاتها: في الاعلام المكتوب، التقليدي أو الجديد، الورقي أو الإلكتروني، والمرئي والمسموع. نقابة مستقلّة قانونياً وتنظيمياً عن أصحاب الصحف، ديمقراطيّة، شفافة، تحتضن كل أهل المهنة وتضمن حقوقهم الوظيفيّة، وتضمن التنوّع والاختلاف، وتحمي حريّتهم في العمل والتعبير. ومن الطبيعي أن تكون النقابة مشرفة على تطبيق شرعة أخلاقيّة (عسى صياغتها تسند إلى شخصيات لديها المرجعية الاخلاقيّة والمهنية والتمثيليّة). وتحرص على ضمان الحياة الكريمة ونهاية الخدمة المشرّفة، لأهل المهنة، من خلال صندوقي التعاضد والتقاعد (هذا الشق أيضاً، وآليات تمويله، لا يزالان ورشة مفتوحة). وفي هذا السياق هناك حلقات كثيرة ناقصة ينبغي العمل عليها: وضع نظام داخلي عصري، يفرض الشفافية المالية القصوى، ويفنّد شروط الانتساب، (علماً أن العضويّة يفترض أن تكون بمثابة اكتساب الشرعيّة المهنيّة، وحق ممارسة المهنة)، ويحدّد ولاية النقيب وآليات انتخاب مجلس النقابة. طبعاً، مطلوب اعادة نظر جذريّة بالجدول النقابي وتنظيفه، بإشراف لجنة حكماء مستقلين لا يحق لهم الترشّح لاحقاً لأي منصب. وأخيراً، لا مفرّ من جردة حساب على العهود الماضية، والقيام بمحاسبة مالية صارمة ودقيقة، مهما كانت موجعة.
بعد طي صفحة الماضي، تمكن العودة الى مناقشة قانون المطبوعات الجديد. ويمكن للوزير الرياشي أن يواصل ورشته الصعبة لدعم قطاع الاعلام وحمايته وتحفيزه على التطوّر والنمو، على أسس عقلانية ومهنيّة منتجة، محصّنة ضد وباء المحسوبيّة والزبائنيّة الذي ضرب نقابة الصحافة. نعم رحلة الألف ميل ما زالت في أوّلها… لكنّنا قمنا بالخطوة الأولى، وهذا يستحق الاحتفال…