«في قصص ما بتتصدق بس يتصير». بهذه الجملة، أقفلت شركة «آليانز سنا» للتأمين، إعلانها الترويجي أخيراً. عبارة يمكن تعميمها على أداء الإعلام في الآونة الأخيرة الذي يصنع «قصصاً قد لا تصدق»، ويركب موجة تنميط أهل البقاع بأسوأ صورة، بغية جذب جمهور أكبر.


الإعلان يصوّر أهل البقاع وبعلبك كـ «حرامية» يتفاوضون مع رجل سرقوا سيارته بغية إعادتها له. لكن الأخير يرفض مراراً تسلم سيارته، رغم إغراءات العروض التي قدمها له هؤلاء المسلحون، ليتبين أن سبب هذا الاستغناء عن السيارة شركة التأمين! إعلان سرعان ما سُحب، بعد موجة ساخطة على مواقع التواصل الاجتماعي، أفضت الى تدخل من محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر. تواصل الأخير مع الشركة المذكورة وطلب منها سحب الإعلان وتقديم اعتذار أيضاً. وبالفعل، سحبت الشركة الإعلان المسيئ والساذج، وأوضحت في بيان لها، أنها روّجت لمنتجاتها التأمينية «بطريقة فكاهية مستوحاة من واقع الحوادث التي حصلت على الأراضي اللبنانية»، وأرجعت سحب الشريط الى «تجنب الحساسيات إزاء أشخاص أساؤوا فهم محتوى الإعلان».


سحبت الشركة الإعلان لاحقاً واعتذرت عن فعلتها


إذاً، رمت شركة التأمين، المسؤولية على الفهم الخاطئ للإعلان، الذي غابت عنه عناصر الإبداع والجذب، وبقي متمركزاً في ملعب التنميط المناطقي، والتعميم الأعمى لممارسات خاطئة ومخالفة للقانون على جماعات بأكملها. امتطى الشريط الترويجي اللهجة البقاعية ومظاهر المواكب السيّارة السوداء، والسلاح والثياب العسكرية. اشتغل على هذه المشهدية، وحصرها باللصوصية والإجرام، وأخرج منها إعلاناً ترويجياً لمنتجاته وسلعه. مشهدية ما فتئت تتكرر على المنصات التلفزيونية، وفي الدراما أيضاً. نذكر جيداً، حلقة دمّر المقدار في «بلا تشفير» على «الجديد» في آذار (مارس) من العام الماضي. حلقة حصدت الى اليوم أكثر من 227 ألف مشاهد على «يوتيوب»، وقدم فيها تمام بليق استعراضاً عسكرياً، يبدأ من الطفّار ولا يقف عند حدّ راجمات صواريخ «أر.بي.جي»، التي فتح بليق صندوقها بحركة استعراضية أمام الكاميرا. وترافقه لاحقاً عدستها وهو يمتطي سيارة الدفع الرباعي، الى جانب بقية المسلحين الملثمين.
الى جانب هذا النوع من البرامج الفضائحية والسطحية، راجت أخيراً هذه الموجة في الدراما المشتركة الرمضانية، التي كسبت رهان المشاهدين، في رمضان الماضي، عبر مسلسل «الهيبة» (كتابة وسيناريو هوزان عكّو- إخراج سامر البرقاوي)، الذي تدور أحداثه في قرية متخيلة على الحدود اللبنانية-السورية. عكس العمل نمطاً محدداً من حياة عائلة «جبل شيخ الجبل»، التي تمثل جزءاً من حياة جماعة خارجة عن القانون، تتخذ من السلاح أساساً للعيش، وللاقتداء بالقيم الأخلاقية والاجتماعية. دراما استطاعت خطف الأنظار اليها، وخلق حمى مصاحبة لها، تجلّت في شركات وأفراد استثمروا نجاح المسلسل لركوب موجته بهدف جذب المشاهدين والزبائن.
وفي كل ما سبق، يبدو أن صورة أهل البقاع المنمطة كخارجين عن القانون، ويلبسون لبوس اللصوصية، «بيّاعة»، في الدعاية والإعلام. والأنكى أن هؤلاء «المستثمرين» يمتطون هذه الصورة الصادرة عن جماعات محددة، تعاني من إهمال الدولة في الأصل لتعمّمها على مساحة أوسع من لبنان، فقط لإرضاء جيوبها.