أدمعت عينا العربية وسالَ الكحلُ عن الجفنين لينسكب كلماتٍ ساخنة تُشعل سكونَ الوعي...

نادت بأعلى صوتها: «أيا صديقي، يا كاشفَ سحري، يا من شاغبنا معاً ولهونا متمتِّعين بالتقسيم «على وزن أفعول»، كيف لك أن تكسِر هالة «المثنى» وتُسرع في سفرك، فينفرط العقد وتتهاوى حبات الكلام؟

أتذكر يوم كان صوتك يتوّج المنابر بذهب المعنى كيف كنتُ أتمايلُ على وقع أفكارك، وأرسم بريشتك كينونة لها بُعدٌ آخر؟».
يا صديقاً أبدع في اللعب على حبال المجرّد، والتحليق في رحاب الماوراء، جعلتَ من «أم العلوم» مسرحاً للابتكار والتوليد والحفر والتجديد. نفضتَ القشورَ وغُصتَ في العمق حيث يحلو المقام.
أيها الساكنُ على شرفة الحداثة تنظر إلي من بعيد وتدعوني لمشاركتك في خوض المعارك الشرسة في وجه الخمول والتراخي والتقوقع في شرانق الأمس. تريد أن نسير معاً على طريق المثنى لنبتكر، لنبدع، لنمزّق الرتابة ونملأ الفراغ بالكلمات المناسبة...
بكت العربية ورفعت الصوت لعل المدى يرد الصدى ويصل الحنين الى مسمع موسى. هو الذي أصرّ على القول الفلسفي بالعربية، واستمتع بالتفكير في صيغة المثنى، والتنظير في عالم الأوزان وإبداع الأفهوم. رأى أن العربية «تُعنى بالمثنى عنايةً فريدةً منذ «قفا نبك»، وتُعطيه علامة الألف والنون التي يمكن إدخالها على أي اسم بحيث يعلو على الصرف ويصير علماً أو يُعامل معاملة المفرد فيحتفظ بألفه ونونه الا في حالات استثنائية (بداعي السترة ربما)، مثال: الميزان بكفتين، والعرضان أو الطولان (الطول والعرض)، والثعبان (الذكر والأنثى)، والانسان (أيضاً للمرأة والرجل)، ومثال: عطشان (عطش مرتين)، وتعبان (تعب مرتين)، وملآن (مليء جداً)».
يفترض موسى وهبة أن «التفكير بالمثنى» كما «تفكير المثنى» بإمكانه أن يشكّل مجالاً مفتوحاً لمن يرغب الخوض فيه. كما يلفت الانتباه الى المعنى الذي يمكن أن نتلمّسه في حال استحضرنا كانط «بوصفه فاتح عهد التفكير بالمثنى، وعهد تفكير المثنى في ما يتعدّى الركون الى الوحدة الأصلية، والتوحيد الصائر، والتناقض الثنائي والثالث الناسخ، والعود الأبدي للهو هو، وزغاريد الاختلاف والفرق والتعددية والكثرة».
مسكونٌ هو بهمّ الحداثة.
شغوفٌ هو بقلق البحث عن المعنى. لا يُثنيه العبث عن متابعة المسير ولا يُتعبه الغموض. يخوض التجربة ويغامر... يعتمر قبعة الميتافيزيقا ويجول في الـ"هنا" والـ"آن" باحثاً عن حقيقةٍ عشِقَها الكيان.
جاء انهمامه بالترجمة ليعبّر عن إيمانه باللغة العربية، ورغبته في الاشتغال بها، باعتبارها لغة حية غنية وتحتوي على مخزون كبير يمكّن المبدع من توليد الأفكار. أصرّ على إبراز مكامن هذه اللغة على الرغم مما تتعرّض له من تهميش وازدراء. لم يتنكّر لما بإمكانها أن تقدّمه للفيلسوف من مجالٍ رحبٍ في عملية التعبير عن المعنى، وبناء النظرية، وتجلّي الأفكار.
عاشر نصوص الفلاسفة الغربيين كما العرب، فكّر بمعيتهم، استلهمهم، وحاورهم. نجدهم حاضرين في مداخلاته، يتنقّل في ما بينهم بسهولة من يرقص على وقع نغم ساحر. ليس من أصحاب الاختصاص الضيّق، يجهل كل ما يدور في فلكه من إنجازات. لم يحصر نفسه في الفكر الغربي المعاصر من دون سواه، نجده يطلع ويبحث في أكثر من مجال فكري.
فيلسوف المدينة جال في شوارعها، وطاف في دوران لا يهدأ باحثاً عن ذاته، عن الانسان الذي فيه، عن الآخر في تشعّباته وامتداداته. ما زال وقعُ خطاه يتردّد في شارع الحمرا. بات يصعُب على من اعتاد الذهاب الى هناك الا يتوقع اللقاء به. حتى طاولات المقاهي كانت تتسابق لتفرش أمامه مساحاتِ ملونة للحوار والنقاش والتساؤل القلق. قد لا نجد مقهى لم يشهد على إشعاعه الفكري ولقاءاته المنوّعة مع طلاب الحكمة ومحبّيها. أحب الحيّز العام، وجعله مقاماً مميزاً، أضفى عليه طابع الخصوصية، فانصهر العام بالخاص في «مثنى موسوي» مبني وفق صيغة مميزة.
هربت الأيام بسرعة وذبل المكان...
لم يعد للشارع لونٌ كما في السابق، ولا للقهوة طعم كالمعتاد.
انحنت طيور المدينة وتغلغلت بين المشيعين لتلتقط الحزن عن الأرض وتعاود التحليق عالياً. تريد أن تنثر ذكراه في كل الأمكنة التي أحب. تبغي أن تنبّهنا بأن الكبار لا يطيلون الإقامة هنا، وأن الماوراء هو عشقهم الأول والأخير...
سيفتقدك المكان في الحمرا والعيون التي كانت تترقّبُ طلّتك العبقرية... كما ستفتقدك المنابر الأكاديمية...
يا أيها الثائر القلِق، في 17 أيار من عام 2015 استوقفك جرجي زيدان في ما قاله حول «الألفاظ الثنائية»، ورحتَ تجود بتوليد المعاني، فأبدعت تنظيراً وتحليلاً، وختمتَ الكلامَ بتوجيه التحية اليه مستعيناً بنصٍ سابق لك. تراني الآن أجلس بمعيتك، أتأمل خاتمة نصك لأعيد اليك نفس التحية لكنها هذه المرة مبلّلة بوجع الغياب:
«قل الحمد لله الذي أنطقنا الفصحى وعلمنا المثنى، فأمكننا من القول: المرء بأصغريه، والوطن بجناحيه. وقوَّلنا: إنسان، لا أنس واحد؛ أنس للوحشة وأنس للألفة، حتى إذا ما غلب هذا صرت مستوحشان. وأرانا أن الجسد في الحق جسدان، يلتفان حول بعض ولا يختلطان. فإذا ما انحلّ العقدُ صار مجرّد جثمان.
وأن الكائن القائم إيان لا أيّ واحد. فصرنا، لمقتضى الحكمة وسلامة العقول القليلة، نسأل إياي تعني؟ أو نقول: إياك أقصد بالسلام، واليه إياه أشير. فنعامل المثنى معاملة المفرد ونتستّرُ على النون بالإضافة، كي لا يقع خبزنا على الأرض فتلتفِتَ الينا وتأكلنا الخنازير».
موسى وهبة، «شكراً لمرورك على ربوعنا».

* أستاذة الفلسفة العربيّة والفكر الإسلامي في الجامعة اللبنانيّة