يأتي «مانغلهورن» (2014) للأميركي دايفيد غوردن غرين وبطولة آل باتشينو بعد «داني كولينز» لدان فوغلمان الذي يشبهه من حيث التوجه إلى ما يمكن تسميته بتحنيط صورة النجم الذي بات يمثل حصرياً نفسه أو متفرقات من الأدوار التي أداها في السينما. في حين يصوّر «داني كولينز» أحد نجوم الروك الذي بات محنطاً ضمن صورته التجارية، يشرّح «مانغلهورن» إيقاع الحياة الإعتيادية للسيد مانغلهورن (آل باتشينو ).


إنّه رجل ستيني وحيد، صانع الأقفال المنفصل عن محيطه وحاضره، لا يتواصل عاطفياً إلا مع قطته «فاني» ووهم حبّه الضائع كلارا، المرأة التي هجرته منذ عقود، لكنه يواصل مراسلتها من دون أي رد يصله من طرفها. شخصية السيد مانغلهورن تبدو استثنائية ومثيرة للاهتمام في البداية. هو كما يقول صانع المعجزات الصغيرة الذي يحرر الأشخاص حين يسجنون أنفسهم خارج منازلهم أو سياراتهم أو داخلها كما الطفل الصغير العالق في السيارة الذي نراه في مشهد البداية وينقذه مانغلهورن. إلا أنّ الأخير يظل مسجوناً ينتظر معجزته الخاصة أو المفتاح إلى فهم نفسه والذي هو كلارا كما يحلم أو يتوهم. السرد الروائي التفصيلي والمباشر لمانغلهورن وهو يروي عن حياته في رسائله إلى كلارا ينتقص من ابتكار بقية الصورة المتناولة وقدرتها على الإيحاء. يعتمد المخرج في لغته السينمائية على أسلوب يجمع بين الواقعية والسوريالية من دون أن يكون المزج بينهما موفقاً في كل المقاطع. مثلاً، هذا ما نتلمسه في مشهد محل المفاتيح الذي يهتز إثر مرور قطار بجانبه. لقطة استثنائية ومبتكرة، أو مشية مانغلهورن الطويلة مع قطته التي يمر عبرها من الواقع إلى الحلم أو الكابوس، فيمرّ بجانب حادث جماعي وتتبع الكاميرا خط الدماء وهلع الضحايا، لنصل إلى نهاية المشهد حيث ثمار البطيخ المحطمة والمتناثرة في أرجاء المكان. لقطة تجسد المساحة الملتبسة بين الواقع والحلم التي يصورها المخرج. رغم جمالية هذه اللقطات، إلا أنها تبدو دخيلة على الفيلم لانعدام الصلة بينها.


لغة سينمائية تجمع بين الواقعية والسوريالية

ما تبقى من السرد الروائي أو السينمائي يتجه فيه المخرج إلى واقعية باهتة تتجسد عبر الحوارات التي تبالغ في الشرح والتبسيط وتتناقض مع البناء المركب لشخصية مانغلهورن كما تصورها اللغة السينمائية. يضاف إلى ذلك الإيقاع حيث يبقى الفيلم على الوتيرة نفسها، لكن ذلك ليس سلبياً بالضرورة، فهو يجسد حالة الملل التراكمي كما في التفاصيل المستقطعة من الحياة الروتينية لمانغلهورن، كعودته يومياً إلى منزله الفارغ وعلاقته مع قطته. وتعزز اللغة السينمائية من الإحساس بالوحدة كما في تصويرها تجواله العبثي في المنزل، حيث يختفي ثم يظهر، بينما الكاميرا ترصد المشهد الفارغ بعد رحيل الممثل. أما آل باتشينو، فأداؤه يتواتر بين الغضب والرقة من دون أن نفهم سبباً لفورات غضبه المفاجئة. بحسب الفيلم، ما يجعل هذه الشخصية استثنائية، قدرتها على الإنتقال بسرعة من حالة الإنفعال الشديد إلى الهدوء أو العكس. ولو أن فورات غضب مانغلهورن تبدو أحياناً سوريالية إن لم تكن مضحكة كما حين يبرح ضرباً أحد أصدقاء ابنه الذي يملك أحد مراكز التدليك بعد عرض المدلكة على مانغلهورن ما هو أكثر من التدليك بطلب من الصديق. يضربه مانغلهورن، صارخاً: «أي نوع من الرجال تظنني؟». وإذا كان آل باتشينو لا يبدو مقنعاً في بعض المقاطع وفي انتقاله من حالة إلى أخرى، فذلك يعود إلى ضعف الحوار، والإيقاع واللغة السينمائية التي تضع مسافة بين المشاهد وشخصية مانغلهورن.

* «مانغلهورن»: «غراند سينا» (01/209109)، «أمبير» (1269)