في لحظة عبوره إلى عالم اختاره بنفسه، ترتسم في أذهان الذين عرفوه صورة الفيلسوف الأنموذج، في شخصه كما في نصه، وتتجلى فرادته في القول إذا قال، وفي الفعل إذا فعل، وفي السكوت البليغ، إذا بلغ التأمل عنده حدَّ الإعجاز.


تتسامى الأفكار في انتسابها إلى عقله، وتتشاوف الكلمات في انسيابها مع أنفاسه الصابرة، كأنها تعبر على صهوة النظر المنقّى والإحساس الرقيق. هو الآتي من عمق التجارب الولادة، فيلسوفاً مسكوناً بثقافة الهامش، بالأسئلة، تتداعى على وقعها أجوبة تنتهي إلى أسئلة، حتى لكأن في جريانها المتوتر انبثاق لحقائق، وانكشاف لثراء مكنون.
أيها العابر، تركتَ أنوارك منائر، يستهدي بها التائهون بين «أصنام» الفكر، والقابعون في ظلمات «الكهوف». علَّمتَ أصحاب «الدهشة»، كيف يكون السفر إلى عوالم المعنى البعيدة، تجربة يكتنهها حثٌّ مجنون على عوْد، أمْلت اشتهاءه، خبايا القول بالعربية. مكثْتَ طويلاً في ضيافة كانط وهوسرل وهيوم، ولم يفُتْك تذوّق «مطبخ» ماركس، «استطيبت» موائد الضفة «الجارة»، فجعلت من طيّباتها، مرتعاً لعقلك، يستضيف محبي الحكمة ومريديها، يروّض جموحهم إلى التفلسف، أو الاشتغال بالفلسفة، والقول فيها بغير العربية، لكأن فيما يدعو إليه، اعتبار القول الفلسفي بالعربية، باب تلج منه العقلانيَّة إلى ديارنا، وتنجو الفلسفة من حشرجات «البعط». و«البعط» هو الذبح وقد عاندت روح المذبوح، الرحيل والمفارقة.
رحل صاحبي موسى وبقي صديقي الفيلسوف... وللقول صلة...

* رئيس الاتحاد الفلسفي العربي