دمشق | مجلس عزاء آخر. لكنه هذه المرّة بتوقيع آنّا عكاش عن نصّ كتبته بنفسها بعنوان «هُنَّ». ليس هذا العرض الذي تستضيفه خشبة «مسرح القباني» في دمشق، هذه الأيام، خطاباً نسويّاً، إنما سردية إضافية عن الحرب بمقترح روائي غائم.


خمس نساء (إيمان عودة، إنعام الدبس، رشا الزغبي، لبابة صقر، جوليت خوري) يستعدن حكاياتهن الشخصية عن الفقدان، في ثلاث حركات سرديّة، على خلفية صور فوتوغرافية متناوبة، ونبرة وثائقية، وشاشة إسقاط بصري لبناء ذاكرة جمعيّة تلملم أشلاء حكايات من الحرب.
معمار سينوغرافي لافت، ورؤية إخراجية حاذقة، لم تنقذها مرويات الحرب المقترحة مما تحتاجه الفرجة، فالقصص مكرّرة ينقصها الشجن الشخصي، إذ بقيت في الحيّز الشفوي من دون أن تصل إلى مرتبة المكتوب، بقصد تحريره على نحوٍ آخر، كأن النسوة في تبادل أدوار الحكي لا يروين قصصهن، وإنما قصص الأخريات. وتالياً، لن نقع على لحظة توتّر، أو جرعة إضافية في حركة الجسد وأوجاعه، أو خروج على النصّ. هكذا يمضي العرض أفقياً باتكائه على مفردات يومية شائعة من دون تشذيب بلاغي، أو تصعيد درامي، أو سرد استثنائي يمنح حكاية هذه المرأة أو تلك الجرعة البلاغية المشتهاة.


نساء يستعدن حكاياتهن الشخصية عن الفقدان،
في ثلاث حركات سرديّة
سوف يحضر طيف «بيت برناردا ألبا» للوركا، وربما «أرامل» أرييل دورفمان، كبرواز بصري لا أكثر، كأن آنّا عكاش المؤلفة خذلت آنّا المخرجة، فالمسطرة الإخراجية الصارمة في حركة الممثلات، غاب عنها المحتوى النوعي، مكتفية بوصف يوميات الحرب لا عيشها، أو التوغل بجحيمها، أو تفكيك أسبابها. وإذا بيومياتها المنشورة على صفحتها على الفايسبوك يوميات حرب أهلية بمحليّة تقوم بدور الحامل للنصّ، عن طريق القص واللصق، من دون جرعات إضافية تمنحه ثقلاً فرجويّاً معتبراً. النبرة اليقينية في وصف ما جرى، أغلقت الدائرة على أي احتمالات أخرى في تفسير مفردات الفقدان أو الغياب، أو الألفة، ما أوقع مفاصل النص في التشتت بين الرؤية الذاتية من جهة، ووصف الفضاء العام كمانشيت فقط، من جهةٍ ثانية. هكذا تحضر دمشق كمفردة أساسية في حركات السرد (الروائي؟)، لكنها دمشق الإنشاء العمومي، دمشق قاسيون والأسطورة والآيات القرآنية الفائضة عن الحاجة، كأن كل هذه المرويات تنطق بها امرأة واحدة لا نساء متعددات، بما يقع في باب «مسرح المؤلف» على غرار سينما المؤلف، وهو ما ضيّق فسحة التنفّس لكل ممثلة على حدة لجهة التراجيديا الشخصية في اللعب، والإمساك باللحظة بعنف، على الأرجح بسبب غياب العملية الدراماتورغية، لمصلحة ما هو سيروي صرف، يعمل في منطقة الانفعال اللحظي للوقائع. سنلحظ هذه الذاتية، وربما النرجسية المفرطة، في ملصق العرض، بوضع أجزاء من صورة المخرجة فقط، وإقصاء أسماء الممثلات نحو الداخل، والاكتفاء بعبارة «نصّ وإخراج». وهي بذلك تؤكد على فردانيتها في رؤيتها للحرب. رؤية تعمل على طبقة سردية واحدة، من دون حفريات تنتشل كلام عتبات البيوت وأحاديث القهوة المرّة من شفويته. وتالياً ستغيب فكرة الإدانة أو الاتهام لمصلحة الشعارتية... هذه الشعاراتية التي وسمت عروض الحرب في معظمها لمتلقٍ متفق سلفاً مع الأطروحات التعبوية لهذه العروض، من دون أن يشتبك مع أفكار حيوية مضادة تضع الحرب في نصابها.
مرّة أخرى، تربح آنّا عكاش كمخرجة، وتخسر فواتيرها البصرية كمؤلفة!

«هُنَّ»: حتى 6 آب (أغسطس) ــ مسرح القباني (دمشق) ـــ للاستعلام: 00963112218019