يبدو أن التاريخ الإعلامي الخليجي يُعيد نفسه دائماً، لكن مع بعض التغييرات الطفيفة. لو قلّبنا قليلاً صفحات هذا الإعلام، لوجدنا أن طريقة إطلاق أيّ قناة، مختلفة عن الأخرى، لكنها تلقى المصير نفسه في النهاية، أي تراجع الدعم المادي ثم التجميد أو الإقفال.


في عام 2003، افتتح رجل الأعمال السعودي الوليد بن طلال قناة «روتانا» التي ضمّت يومها خمس قنوات متنوعة (روتانا موسيقى، روتانا كليپ، روتانا طرب، روتانا أغاني، روتانا خليجية). عاشت الشبكة «بحبوحة» مالية لا يزال الحديث عنها مستمراً لغاية اليوم. لكن عمرها لم يكن طويلاً: بدأت بالتراجع ثم الإقفال منذ عام 2009 لتنهار لاحقاً «إمبراطورية روتانا» وتصل إلى نهاية كانت متوقعة.
لعلّ ما مرت به «روتانا» ينطبق إلى حد ما على قناة mbc اليوم، مع الاختلاف في بعض النقاط. عندما بدأت الأزمة المالية التي ضربت الخليج وبعض الدول العربية خلال العامين الماضيين، كان الكلّ يجمع على أن mbc عصية على «الزلزال» الذي أدّى إلى الاستغناء عن الكثير من الموظفين، على اعتبار أن الشبكة السعودية كانت تعيش «بحبوحة» ملحوظة. فقد شهدت مرحلة «عزّ» لا يختلف عليها اثنان. في أوائل التسعينيات من القرن الماضي (1991)، أبصرت mbc النور، ولم تشهد أيّ مطبات مادية طوال هذه المدة. لكن قبل فترة، ضربت الأزمة المادية أروقة الشبكة المعروفة، وبدأت معالمها تتّضح بعدما قرّرت القناة قبل أيام الاستغناء عن عدد من الموظفين في مكتب بيروت، وقد يتخطّى عددهم 50 شخصاً بين موظف و«فريلانسر» (مع احتمال ارتفاع العدد). إنّها المرة الأولى التي يتم فيها الاستغناء عن هذا العدد دفعةً واحدةً. كما بدأت المحطة تطبيق سياسة العقود الحرّة مع أكثرية الموظفين، في محاولة لتخفيف الأعباء المادية عنها. تلك الأزمة لم تكن وليدة المفاجأة، بل بدأت مفاعيلها مع بداية الحرب الخليجية على اليمن قبل حوالى عامين، وهبوط أسعار النفط. تتلقى القناة دعمها من رجل الأعمال السعودي ومديرها الوليد الابراهيم (أخو الجوهرة بنت إبراهيم أرملة الملك الراحل فهد بن عبد العزيز آل سعود). المحطة بالنسبة إلى الابراهيم بمثابة «طفلته المدلّلة» رغم أن بعض الأمراء السعوديين يخطّطون للسيطرة عليها. فما هي حال الشاشة اليوم؟ البداية كانت قبل أقلّ من عام عندما تمّ دمج mbc ضمن «الشركة السعودية للأبحاث والنشر» (مقرّها الرياض) التي يستحوذ محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود (وليّ العهد) على أكثرية أسهمها.


خسرت المحطة 20 إلى 25%
من إيرادات إعلاناتها

تضم الشركة عدداً كبيراً من المطبوعات التي تصدر باللغتين العربية والإنكليزية، منها مجلة «سيدتي» وجريدة «الشرق الأوسط». هذا الدمج تمّ بعيداً عن أعين الإعلام العربي، على اعتبار أنه خطوة داخل المملكة السعودية. لكنه كان واضحاً في الإعلام الخليجي الذي سرّب خبر الاتفاقية، وتحدّث عن تفاصيلها. لا يخفى على أحد أن ولي العهد يضع نصب عينه الاستيلاء على mbc وإدارتها بشكل مباشر وتحويلها من قناة متنوّعة إلى سياسية خليجية بحت. المحطة التي عرفت منذ نشأتها بنجاحها تجارياً وتسويقياً، تتعاقد مع «شويري غروب» التي تعدّ بمثابة الحوت الإعلاني في العالم العربي. لكن يجري الحديث اليوم عن محاولة فكّها عن «شويري» وانضمامها إلى شركة «الخليجية» للإعلان والعلاقات العامة التي تنضوي تحت عباءة ولي العهد. يحاول الأخير فكّ المحطة إعلانياً عن «شويري» بهدف ضمّها، وبالتالي السيطرة عليها داخلياً وسياسياً. أولى خطوات عملية الدمج التي حصلت قبل أقل من عام هي «سعودة» القناة، وصرف عدد من الموظفين من غير الجنسية السعودية (تحديداً اللبنانية). أما الخطوة الثانية، فتمثّلت في الاستغناء عن عدد من العاملين في مكتب بيروت. فقد خسرت المحطة خلال عام تقريباً نحو 20 إلى 25% من إيرادات إعلاناتها بسبب تراجع أسعار النفط والحرب التي كلّفت السعوديين ملايين الدولارات. من هذا المنطلق، يجري اليوم الحديث داخل أروقة القناة أن الابراهيمي ـ كما يلقَّب ـ يسعى لاستقلالية القناة مادياً، وتولي أعبائها المادية من دون أي دعم سياسي أو خارجي كي تبقى الشاشة تحت «لوائه». امتحان صعب يستتبع جملة من الأسئلة أولها: هل تشهد القناة حرباً عليها من داخل البيت الملكي السعودي؟ الجواب طبعاً نعم. فقد تعرّضت القناة في رمضان الماضي لحملات عنيفة شنّت على صفحات السوشال ميديا، سببها الأول عرض مسلسل «غرابيب سود» الذي تضمّن حكايا واقعية عن تنظيم «داعش» الإرهابي. تلك الخطوة أدّت إلى وضع لائحة سوداء لبعض القائمين على المسلسل، وغالبيتهم من أعمدة mbc على رأسهم مدير القناة علي جابر. كما سبقت المسلسل حملة افتراضية قوية طالبت بـ «تدمير mbc» سببها هاشتاغ (كوني حرة) أطلقته المحطة ودعا إلى حرية المرأة السعودية. يومها، هدّد الأمير عبد العزيز بن فهد آل سعود بتدمير وليد الإبراهيم، رغم صلة القرابة التي تجمعهما، خصوصاً أنّ ابن الملك الراحل المدلّل يملك حوالى 33 في المئة من أسهم القناة. بناءً على ما سبق، تشهد أروقة المحطة في مركزها الأساسي في دبي «خضّة» لم تشهدها قبلاً، إلى درجة أنّ القائمين عليها يشعرون بالارتباك إزاء كيفية التعاطي مع هذه الأزمة التي تعرفها للمرة الأولى منذ 26 عاماً، فالقرارات تتّخذ في دبي ويتم تبليغ مكتب بيروت بها لاحقاً.
بالمختصر، ودّع الموظفون «البحبوحة» التي كانوا فيها بعدما وضعت mbc استراتيجة لتخفيف أعبائها، أشبه بفترة تجريبية سيتمّ بناء عليها وضع تصوّر للمرحلة المقبلة. أولى خطوات الاستراتيجية الجديدة هي عدم المس بالبرامج الأساسية والضخمة التي تدرّ الإعلانات منها «ذا فويس» و«أراب آيدول» و«ذا فويس كيدز» وغيرها من الأعمال التلفزيونية، إضافة إلى عدم المساس بالمسلسلات الخليجية التي تعتبر عامل جذب بالنسبة إلى المشاهد الخليجي وتخاطبه بطريقة مباشرة. كذلك، ستحافظ المحطة على الأعمال التركية التي تلقى اهتماماً لدى المتلقي الخليجي. وسيتمّ تنفيذ تلك المشاريع بكلفة أقلّ مما كانت عليه سابقاً (نصف السعر تقريباً)، مع محاولة الحفاظ على النوعية. التغيير سيطال جميع لجان التحكيم، مع الحديث عن تعديل جذري سيطال كافة البرامج كي تعيد بعض الحركة إليها، مع عقود عمل أقل مما كانت عليه سابقاً. أمام المحطة عام صعب ومتعب مع تشابكات سياسية واقتصادية تجعل مصيرها مشرّعاً فعلاً للمجهول.