فيما يعلو صراخ «تيار المستقبل» وحيداً ومعزولاً، مع باقي منصات إعلامه التقليدية والافتراضية، مرفقاً بهستيريا غير مسبوقة، على خلفية معركة «جرود عرسال»، وانسحاب «النصرة» إلى الداخل السوري، يسود تغيّر كامل في مشهدية الإعلام اللبناني. نحن أمام ما يشبه الانقلاب الصغير، لم نشهده منذ نشأة القنوات اللبنانية مطلع التسعينيات.


معركة «جرود عرسال»، التي بدأت الجمعة الماضي، أفرزت للمرة الأولى إجماعاً شعبياً وإعلامياً، تضافر في وجه الجماعات الإرهابية المرابضة على الحدود. وسائل الإعلام اللبنانية حتى الأكثر مناهضة لـ «حزب الله»، غيّرت خطابها، وانغمست في معركة وطنية مستخدمة أدواتها الإعلامية بدقة شديدة. حتى الأكثر قرباً من المقاومة أي «المنار»، فتحت ذراعيها لشخصيات ووجوه أطلت على منبرها للمرة الأولى أمثال هشام حداد، نضال الأحمدية، ناصر فقيه، علا الملاح، شربل خليل، حائكة هذا الموزاييك الوطني الجامع كما حصل في حلقة «بانوراما اليوم» يوم الاثنين الماضي، في سابقة للقناة، وخطوة تحطم الجدران الوهمية التي بنيت منذ سنوات.


وحدها «المستقبل» بدت معزولة رافعة شعار «انتصار ميليشيا على الميليشيا»

إلى جانب «المنار»، برزت lbci في تغطية هذه المعركة، والخطاب الذي أرسته طيلة الأيام الفائتة. للمرة الأولى في تاريخها، نشاهد مقدّمة عاطفية حماسية في نشرة أخبار السبت الماضي، ما زالت أصداؤها تتردد حتى اليوم. مقدمة تحدثت عن شهداء «حزب الله» والجيش اللبناني، ورفقة السلاح، والنصر الآتي. وللمرة الأولى أيضاً، تطبع شاشتها صور لشهداء الحزب، موضوعين بين أحضان عوائلهم في «مليتا»، متحف المقاومة في الجنوب اللبناني، كما حصل أمس في حلقة «نهاركم سعيد» (قدمها مالك الشريف). اتخذت الحلقة من هذا المكان ذي الرمزية العالية، منطلقاً لتحية الشهداء (لا سيما من قضوا في معركة عرسال الأخيرة) والوقوف على بطولاتهم، واستضافة عوائلهم للحديث عنهم وعن جوانب شخصية وعاطفية في حياتهم. مشهدية مختلفة، لم نعهدها لا في انتصار 2000 ولا في 2006، بل انتظرت كل هذه الأعوام لتخرج بهذه الصورة، وتحطم بدورها متاريس بنيت على أكياس من الانقسام والقطيعة مع شرائح واسعة لبنانية. لا شك في أن هذه المفاجأة التي خصّت بها lbci شرائح لبنانية كبيرة، أسهمت في استقطابها مرة جديدة، وسحب البساط ربما من «الجديد»، التي تغيب منذ أيار (مايو) الماضي عن مناطق واسعة بسبب قطع بثها من قبل «حركة أمل»، والتي تحاول جاهدة استعادة هذا الموقع عبر وضع ثقلها على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا الإجماع اللبناني عزل أصوات النشاز كقناة «المستقبل»، التي ظلت تروّج حتى الساعات الأخيرة من المعركة خطاباً حربياً ديماغوجياً، وتسير بشعار «انتصار ميليشيا على الميليشيا»، وتساوي بين المقاومة والجماعات التكفيرية. خطاب مسعور غرّد وحده على أوتار هذه الجماعات ودعمها، فيما البقية يتنشقون نسائم النصر الآتية من الجرود.