ليست «وصفولي الصبر» كئيبةً كما قد يعتقد كثيرون. المسرحية التي تتناول السرطان ليس كحالةٍ مرضية فحسب، بل اجتماعية أيضاً، يشي موضوعها بأنّها تدخل الغمّ على قلب مشاهدها. لكن المسرحية عكس ذلك. العرض الذي أخرجته لينا أبيض، يستحق المشاهدة فعلاً.


إنّه عمل توعوي تثقيفي بعيد عن «كليشيهات» هذا النوع من الأعمال. فالنصّ الذي كتبته الأستاذة في جامعة «دورهام» البريطانية عبير همدر بعد بحث أكاديمي عن مرضى السرطان وتأثيره الاجتماعي، يمكن مشاهدته من الجميع، وبالتالي فهو يحوي الجانبين التسلوي والتعليمي في آنٍ معاً.
نحن أمام غرفة انتظار في عيادةٍ لعلاج السرطان حيث سكرتيرة (تؤدي دورها لينا أبيض نفسها)، ومريضات يقارعن المرض. نرى سلام (ديما الأنصاري) التي لا تعترف بدايةً بمرضها مقارنةً بمنى (عليا الخالدي) التي تعلم الكثير عنه، وتتقبله برحابة صدر. الوجود الرجالي الوحيد على المسرح هو أبو فراس (سيف أحمد) الذي يظل ممسكاً بالراديو، يستمع لأخبار بلاده (كونه قادماً من سوريا). سلام هنا هي محرك الأحداث. تبدأ بالتعرّف إلى مرضها، وتحاول عبثاً إقناع منى بأنها لا تريد إخبار عائلتها أو زوجها بذلك. بدورها، تعرّفها منى إلى المريضات اللواتي تنشأ بينهن علاقاتٌ أشبه بالأسرية. الممثلة العراقية نماء الورد التي تحضر في العمل بقوّة كونها «ناجية» حقيقية من المرض، تطرح أسئلة كثيرة، واضعةً المشاهد أمام خصوصية مختلفة خصوصاً أنّها «حلقت» شعرها مباشرةً أمام الجمهور في أول عروض المسرحية: هي قضية خوف المصاب/ة من اختلال توازن حياته قبل المرض وبعده.


قاعة نهى
الراضي التي رحلت بالمرض، احتضنت عروض العمل
فقدان الشعر يعد من أبرز تأثيرات العلاج الكيميائي للسرطان، ويشكّل هاجساً لبعض النساء المصابات. تقوم الورد في المسرحية بحلق شعرها. على ذلك، تعلّق المخرجة لينا أبيض: «لقد بكى كثيرون من الحضور. بعضهن ناجيات حقيقيات من السرطان، وبعضهن لم يصبن به. وحدها نماء كانت تبتسم وتبدو فخورةً بجمالها ولو فقدت شعرها. كانت الرسالة واضحة، أنتِ جميلةٌ مهما كان شكلك؛ ولا يستطيع مرض كهذا أن ينتصر عليكِ طالما قررت مقاومته».
من جهةٍ أخرى، تقارب المسرحية البعد السياسي للأحداث. تحكي عن الأزمتين العراقية والسورية؛ «إذ لا يمكن عزل مريضات السرطان عن مجتمعاتهن» تشير عبير همدر لنا مضيفةً: «المرضى يتأثرون بما يحدث في بلادهم، مثلما حديث في العراق، حين نفد دواء السرطان. كيف يمكن تغافل هذا الأمر؟». أما الجانب الكوميدي الذي قاربته «السكرتيرة» (أبيض)، فيتضح لاحقاً أنه مدروس، فلا شيء «عفوي» في هذه المسرحية. كلّه مرسومٌ بدقةٍ لإيصال رسالةٍ ما، قد لا تكون «توجيهية» فحسب، بل إنسانوية أيضاً.
ديكور المسرح فيه ذكاءٌ ولعبةٌ حرفية من أبيض. مسرحٌ داخلي تدور فيه الأحداث، ومسرحٌ خارجي خارج الحدث، وإن ظلّ على الخشبة نفسها. لسنا أمام خشبةٍ تقليدية، بل قاعةٍ وليس مسرحاً بالمعنى الدقيق للكلمة (اختارت المخرجة قاعة الفنانة العراقية الراحلة نهى الراضي التي رحلت أيضاً بسبب سرطان الدم). تنقسم هذه القاعة قسمين: داخلي وخارجي. الخارجي حيث تقف زكية (مي أوجدن سميث) التي تقارع المرض وترفض الاعتراف به. لا تتحدث، بل ترقص فقط. سميث التي تعطي الدور حقه، تبدو ممزقة بين نكران الأمر والاعتراف بضرورة علاجه. الفيديو القصير التمثيلي/ التوضيحي الذي قدّم في بداية المسرحية، قارب فكرة خوف الناس الممزوج بالخجل من الاعتراف بالمرض/ التابو. تارةً يسمونه «هيداك المرض»، وطوراً يتجاهلون نطق اسمه كما لو أنّه عار أو خطيئة ارتكبت من دون منطق. هي حال المجتمعات التي لا تتقبل ذلك، فيضحي مريض/ة السرطان وحيداً وحتى خجلاً بمواجهة مرضه. كتبت همدر نصها المبني على قصصٍ حقيقيةٍ لناجياتٍ من المرض، بتفنن وتقنية عالية: نشهد دراما، كوميديا، حزناً وفرحاً ببساطةٍ عادية من دون أن يخل ذلك في بنية النص أو طبيعة المضمون أو القصة. أبيض بدورها قدمت حرفة عاليةً في اختيار ممثليها، فبدوا كما لو أنهم لا يمثّلون. من جهةٍ أخرى، بدا العمل ملوناً بجنسياتٍ متعددة: ديما الأنصاري إحدى أقوى ممثلاته هي أستاذة جامعية تقيم في لبنان (فلسطينية/ كويتية/ كندية) إلى جانب المدهشة والمبهرة نماء الورد العراقية التي تقيم في النروج (حالياً في لبنان)؛ والمحترفة عليا الخالدي الأستاذة المعروفة من جامعة LAU (عرفها الجمهور سابقاً مع «عنبرة» و«أيوبة» الأول من إخراجها عن جدتها عنبرة سلام)؛ يضاف إليهن السوري سيف أحمد واللبنانيات سهى شقير، هبة سليمان، ومريان مرروم.
وكعادتها بعد انتهاء كل عرض، أقامت أبيض نوعاً من الحوار بين ناجياتٍ من المرض أو حتى مشاهداتٍ عادياتٍ وبين البطلات ومعها. يضاف إليهم طبيب متخصص في علاج السرطان ليدور حوار توعوي وتعريفي حول المرض وكيفية التعامل معه. ختاماً؛ يذكر أن المسرحية هي من تمويل «جامعة دورهام» البريطانية، و«مجلس أبحاث الآداب والعلوم الإنسانية» البريطاني، و«الجامعة اللبنانية الأميركية LAU»، و«جمعية بيروت» و«دار الساقي».

* «وصفولي الصبر»: 20:30 مساء حتى يوم غد ــ «مسرح المدينة» (صالة نهى الراضي- الحمرا) ـــ للاستعلام: 01/753010