باريس | عن 89 عاماً، غيّب الموت النجمة الفرنسية جان مورو (1928 ـــــ 2017). من خلال مسيرة فنية حافلة امتدت على أكثر من سبعة عقود، تألقت هذه الفنانة المتعددة المواهب في مجالات إبداعية متنوعة من المسرح الى السينما، ومن الغناء الى الأدب.


لم تكن قد بلغت الـ 18 من عمرها، حين التحقت بفرقة الـ «كوميدي فرانسيز» العريقة سنة 1946. وفي أيلول (سبتمبر) من السنة الموالية، تألقت بمشاركتها في ثلاث مسرحيات، منها «ريتشارد الثاني» (نص وليام شكسبير ـــ اخراج جان فيلار)، عُرضت جميعها خلال الدورة الأولى من «مهرجان أفينيون»، الذي سيصبح لاحقاً التظاهرة المرجعية للفن الرابع في فرنسا.
من المسرح قفزت الى السينما، لتبدأ مسيرة حافلة تكاد تختزل وحدها تاريخ الفن السابع، اذ أنها مثّلت تحت إدارة عدد لا يحصى من عمالقة السينما، من أورسن ويلز الى فرنسوا تروفو، ومن إيليا كازان الى جان لوك غودار. عام 1950، تصدّرت صورتها غلاف مجلة «باري ماتش»، على إثر أدائها المبهر لشخصية المومس القاصر في مسرحية «أقبية الفاتيكان» (نص جان جينيه – إخراج جان ماير). خلال أحد عروض هذه المسرحية، اكتشفها السينمائي الكبير لوي مال، فاختارها لبطولة اثنين من أفلامه الأبرز: «مصعد كهربائي نحو المشنقة» (1956) و«العشاق» (1958). عملان كانا كافيين لتكريسها كنجمة سينمائية.
خلال عرض «العشاق» في «مهرجان كان»، تعرفت إلى عملاق آخر هو فرنسوا تروفو، الذي جعل منها أيقونة سينما الموجة الجديدة. تحت إدارته ظهرت، بداية، بدور صغير في Les 400 coups (طيش الصبا ـــ (1959، قبل أن تؤدي بطولة رائعته «جول وجيم» (1962).
شكل عقد الستينيات، وما رافقه من تحولات سياسية واجتماعية ألقت بظلالها على الفن السابع، الحقبة الذهبية التي بلغت خلالها جان مورو أوج عطائها. عام 1960، نالت جائزة أفضل ممثلة في «مهرجان كان»، عن دورها في فيلم Moderato Cantabile لبيتر بروك. وفِي السنة الموالية، تألقت في رائعتين هما «الليل» ميكلانجلو أنطونيوني، و«المرأة امرأة» لجان لوك غودار. ثم مثّلت تباعاً تحت إدارة عمالقة من مصاف أورسن ويلز («المحاكمة» 1962 Falstaff – 1966 ـــــ «قصة خالدة» 1968)، ولوي مال (Viva Maria – 1965)، ولوي بونويل («يوميات خادمة» – 1966)، وفرنسوا تروفو («العروس كانت ترتدي الأسود» – 1967)، وجان رونوار («حين يموت الحب» - 1969).


السينمائية الوحيدة التي ترأست لجنة تحكيم «مهرجان كان» مرتين

في السبعينيات، أصبحت مقلّة وتختار أدوارها السينمائية بكثير من الشروط. من باب الوفاء لصداقتهما، شاركت في المغامرة المرهقة لآخر أفلام العملاق أورسن ويلز «الجانب الآخر من الرياح»، الذي أُجهض بعد محاولات متكررة لاستكمال تصويره امتدت من 1970 الى 1976. قبل ذلك، صنعت جان مورو الحدث فرنسياً بفيلمين، هما «ناتالي غرانجر» لمارغريت دوراس (1973)، و«راقصات الفالس» (1974) لبرتران بلييه. ثم خاضت تجربتها الأولى وراء الكاميرا في فيلم بعنوان «ضوء» (1976). كما أنها مثّلت خلال السنة ذاتها في The Last Tycoon، آخر أفلام السينمائي الكبير إيليا كازان.
انقطعت بعد ذلك عن العمل السينمائي طوال خمس سنوات، وتراجعت نجوميتها مع اقترابها من الخمسين، ورحيل أغلب العمالقة الذين ارتبط اسمها بأعمالهم. ولم تقدّم طوال عقد الثمانينيات أي عمل جدير بأن يبقى في ذاكرة الفن السابع، باستثناء «مشاحنة» لراينر فاسبندر (1982) و«الناجي» لجان بيار موكيه (1987).
حيال ابتعاد الأضواء السينمائية عنها، وجدت ملاذاً في المسرح، حبها الأول، الذي لم تغادره منذ منتصف الأربعينيات. على الخشبة تألقت مجدداً في ثلاثة أعمال هي: «الأكذوبة» (نص فرنسوا دوران – إخراج جان لوران كوشيه – 1980)، و«ليلة الإيغوانا» (نص تينيسي ويليامز – إخراج آرثر شيرمان – 1985)، و«حكاية الخادمة زيرمين» (نص هيرمان بروش – إخراج كلاوز مايكل غروبر – 1986). هذا العمل الثالث تصدر المشهد المسرحي لثلاثة مواسم متتالية، ونالت عنه جان مورو جائزة «موليير» المسرحية العريقة، عام 1988.
هذه النجومية المسرحية المتجددة، مهدت لعودتها الى واجهة السينما، مع مطلع التسعينيات، اذ اشتركت في بطولة فيلم «نيكيتا» للوك بوسون، عام 1990، ثم قدّمت في السنة الموالية خمسة أفلام بارزة، وهي «العشيق» لجان جاك آنو، و«حتى آخر العالم» لفيم فاندرز، و«خطوة طائر اللقلق المعلقة» لثيو أنجلوبولوس، و«آنا كارامازوف» لرستم خامداموف، و«العجوز التي تمشي على ماء البحر» للوران هاينمان، الذي نالت عنه جائزة «سيزار» أفضل ممثلة لعام 1992.
قبل أن تنقطع عن التمثيل عام 2015، شاركت خلال العقد الأخير في أعمال عدة، من أبرزها «ذلك الحب» (اخراج جوزي دايان – 2002)، الذي تقمصت فيه دور صديقتها الروائية الراحلة مارغريت دوراس، و«الوقت المتبقي» لفرنسوا أوزون (2005)، و«انسحاب» لعاموس غيتاي (2007)، و«غيبو والظل» لمانويل دي أوليفيرا (2012)، وصولاً إلى آخر ظهور لها في «موهبة أصدقائي» لأليكس لوتز (2015).
مكافأة لها عن مجمل أعمالها، مُنحت جان مورو جائزة الـ «سيزار»، المعادل الفرنسي للأوسكار، مرتين: عام 1995 ثم عام 2008. ثم مُنحت أوسكاراً فخرياً، عام 1998. وفضلاً عن كل الجوائز المرموقة التي حظيت بها، تعد مورو أول امرأة انتُخبت عضواً في أكاديمية الفنون الجميلة الفرنسية عام 2000. كما أنها السينمائية الوحيدة التي ترأست لجنة التحكيم في «مهرجان كان» مرتين. كانت الأولى عام 1975. ولعبت آنذاك، إلى جانب بيار سالنجر، دوراً حاسماً في ترجيح فوز «وقائع سنوات الجمر» للجزائري محمد لخضر حامينا بـ «السعفة الذهبية»، رغم تحفظات باقي أعضاء لجنة التحكيم، بسبب حساسية موضوع الفيلم المتعلق بحرب الجزائر، التي كانت بمثابة تابو في فرنسا آنذاك. أما المرة الثانية التي ترأست فيها مورو لجنة تحكيم «كان»، فقد كانت عام 1995. ومرة أخرى، اتسم خيارها بالكثير من الجرأة، حيث عملت على منح «السعفة الذهبية» ـــــ وسط سجالات عاصفة بين أعضاء لجنة التحكيم ـــــ الى فيلم underground، المثير للجدل، للمعلم البوسني أمير كوستوريتسا. وبلغ الجدل الذي أثاره فوز الفيلم الى حد إعلان كوستوريتسا اعتزاله السينما، قبل أن يتراجع عن قراره لاحقاً...