يمكن تلخيص الوضع الذي يعيشه الإعلام المصري حالياً بـ «الهستيريا»، إذ تحوّلت الصحافة إلى «جريمة» بكل ما للكلمة من معنى. قمع، واعتقالات، وتقييد حريّات، وملاحقات قضائية، وحجب مواقع إخبارية بالجملة في بلد يحتل حالياً المركز 161 من أصل 180 دولة وفق أحدث تقارير منظمة «مراسلون بلا حدود».


الأسبوع الماضي، وجد أربعة صحافيين في جريدة «اليوم السابع» أنفسهم مجبرين على تقديم طلبات لأخذ إجازة من دون راتب لمدّة عام، لمجرّد أنّ ماهر عبد الواحد، وعبد الرحمن مقلد، ومدحت صفوت، وسمر سلامة جاهروا بتأييدهم لمصرية تيران وصنافير، ومدافعتهم عبر فايسبوك عن أحقية بلادهم بالجزيرتين اللتين تنازلت عنهما المحروسة للسعودية في حزيران (يونيو) الماضي (الأخبار 28/7/2017)، وتوقيعهم على بيان يشمل 1600 صحافي بخصوص تيران وصنافير.
يومها، أكد رئيس التحرير، خالد صلاح، أنّ هذا الإجراء بديل من «الفصل» الذي طلبه «المالك الجديد للمؤسسة، الرئيس عبد الفتاح السيسي»، مشدداً على أنّ قرار الفصل لم يصدر عنه أو عن رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، الذي يُفترض أنّه مالك الجريدة الحقيقي، بحسب ما يشاع، مانحاً الصحافيين مهلة للرد عليه حتى 30 تموز (يوليو) الماضي.
قبل يوم واحد من انتهاء المهلة، توجّه عبد الرحمن مقلد ومدحت صفوت وماهر عبد الواحد إلى «نقابة الصحافيين» التي ينتمون إليها، واجتمعوا بسكرتير العام للنقابة، حاتم زكريا، وتقدّموا بشكويين رسميتين بما حدث، إحداهما للسكرتير، والثانية لنقيب الصحافيين عبد المحسن سلامة، طالبين تدخل النقابة في قضيّتهم. هذا ما أوضحه الثلاثي في بيان أصدروه مساء أوّل من أمس، أرادوا من خلاله إطلاع الرأي العام على تفاصيل هذه «المذبحة غير المسبوقة في تاريخ مهنة الرأي».
في نصّهم الطويل، لفت صفوت ومقلد وعبد الواحد إلى أنّ السكرتير العام أكّد لهم أنّه «سيجري مناقشة الأزمة في اجتماع المجلس، الذي عقد بالفعل في 30 تموز، وكان النقيب قد طلب الاجتماع بنا قبل انعقادها، للاطلاع على ملابسات الأزمة».


اتهمت الجريدة صحافييها بابتزازها والتآمر ضدّها


وفي موعد انتهاء المهلة التي حدّدها خالد صلاح، حضر الصحافيون إلى مقرّ «اليوم السابع»، حيث سلّموا مكتبه مذكرة تفيد بتمسّكهم بالعمل، رافضين توقيع الإجازة المطلوبة، خصوصاً أنّهم لا يملكون مصدر دخل سوى رواتبهم... ومطالبين أيضاً بالحصول على حقوقهم القانونية «في حال تمسُّك الإدارة بفصلنا من العمل». وعلى الأثر، طلب صلاح الاجتماع بهم، ليبدأ معاتبتهم، واضعاً الشكوى التي تقدّموا بها إلى النقابة في خانة «التصعيد غير المقبول»، قبل أن يتوجّه إليهم بالقول حرفياً: «إنتوا مفصولين، وروحوا للنقابة خليها ترجعكوا»، حسب البيان الذي انتشر على السوشال ميديا. ولدى طلب الثلاثي ورقة تؤكد فصلهم، ما كان من رئيس تحرير «اليوم السابع» إلا أن استعان بعناصر الأمن لطردهم من المبنى. وبعد تقدّم ماهر ومدحت وعبد الرحمن بشكوى رسمية لـ «نقابة الصحافيين» حول ما حدث، ناقش المجلس الأمر في اجتماعه الدوري، معلناً غضبه من «سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الصحافة»، ليفوّض لاحقاً إلى نقيب الصحافيين التواصل مع إدارة الجريدة لحل الأزمة.
لكن يبدو أنّه بدلاً من التجاوب لتذليل العقبات وحلّ الموضوع، عمدت «اليوم السابع» إلى الهروب إلى الأمام، متهمة الثلاثي عبر موقعها الإلكتروني بـ «ابتزاز المؤسسة، والتآمر ضدّها»، الأمر الذي نفاه الصحافيون، مشددين على أنّه «كذب واضح».
يوم الاثنين الماضي، أعلن المستشار القانوني للجريدة، أنور الرفاعي، أنّه بصدد التقدّم بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» يطالب فيها بـ «إحالة ثلاثة صحافيين على لجنة التأديب بسبب إساءتهم إلى «اليوم السابع»، والإضرار عمداً بسمعتها، والتلاعب السياسي باسم رئيس الجمهورية، والزج به من دون سند قانوني في لعبة وضيعة»، فضلاً عن تطرّقه إلى وجود «تآمر فاضح مع مؤسسة إعلامية تابعة لحزب الله اللبناني المموّل من إيران...». تأتي ذلك بعد الحملة المسعورة التي شنّتها «اليوم السابع» على «الأخبار» في حزيران 2017، على خلفية موقفها من التنازل عن الجزيرتين إلى السعودية، وتخصيصها غلاف عددها الصادر في 15 حزيران لهذا الموضوع، تحت عنوان «باع أرضه».
في البيان الذي أصدره الصحافيون الثلاثة، لفتوا إلى أنّهم تقدّموا بسبب هذه المزاعم بشكوى إلى «نقابة الصحافيين»، يطالبون فيها بإحالة صلاح «على التحقيق، ووقف قيده في النقابة»، مضيفين أنّ رئيس التحرير «أجبر في ما بعد 10 من الموقعين على بيان تيران وصنافير على تقديم إجازات بدون مرتب، تحت دعاوى واهية، بعد شكوانا للنقابة». يذكر أنّ الصحافيين العشرة حرّروا محضر إثبات حالة في قسم شرطة الدقي، بعدما منعهم الأمن من الدخول إلى الصحيفة لممارسة عملهم، إضافة توجهوا بشكوى إلى مكتب العمل، وهو ما يُعَدّ مخالفة لقانون العمل رقم 12 لسنة 2003، وقانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996، وميثاق الشرف الصحفي رقم 76 لسنة 1970.
في الختام، أكد ماهر عبد الواحد، وعبد الرحمن مقلد، ومدحت صفوت أنّهم يصدرون هذا البيان بهدف «إجلاء الحق، والانتصار للقيم الأخلاقية والمهنية... نهيب بالجماعة الصحافية الاصطفاف على قلب رجل واحد، لوقف العسف بالصحافيين وأصحاب الرأي...»، معلنين دعمهم لكل الجهود الرامية إلى «التصدي لأي محاولة لفصل الصحافيين تعسفياً، ودعمنا كل الإجراءات التي تضمن الحفاظ على حقوق الصحافي في التعبير عن رأيه من دون تنكيل أو تشريد أو تشويه أو ملاحقة».
هذه القضية الشائكة والمهمّة، دفعت جهات عدّة إلى التضامن مع صحافيي «اليوم السابع»، على رأسهم «المركز الإقليمي للحقوق والحريات»، و«الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، و«التنسيقية المصرية للحقوق والحريات»، وسط دعوات إلى المنظمات العمالية والحقوقية المصرية والعربية والعالمية للتحرّك بهذا الخصوص.