يحكى الكثير عن حرية إبداء الرأي والتعبير وحرية البحث العلمي، وبقية الحريات الشخصية في المجتمعات الغربية. لكن كتاب «لن يُسكتونا: اضطهاد منتقدي إسرائيل أكاديمياً» (بلوتو بريس ـ 2017 ــ we will not be silenced: the academic repression of israel›s critics) يوضح حدودها. فأي رأي مخالف لادعاءات الحركة الصهيونية التي تصادر التاريخ والماضي والحاضر، وتفرض أجنداتها القمعية على كل من يعبر عن رأي مختلف عن العائد للمؤسسات الحاكمة يستحيل معادياً لليهودية وما إلى ذلك.
هذا المؤلف (تحرير بوِليم رُبنسن ومريم غرفن) يحوي تجارب بعض العلماء والسياسيين الذين أعربوا عن رأيهم في أحداث اندلعت في بلادهم أو في قمع العدو الصهيوني للفلسطينيين، وطالبوا بوضع حدّ للعدوان «الإسرائيلي» المستمر على الشعب الفلسطيني، فكانت النتيجة التشهير بهم وملاحقتهم والسعي لإسكاتهم وطردهم من وظائفهم.

المشكلة ـ كما يقول المشاركون ــ أن المؤسسات الأكاديمية من جامعات وكليات تشارك في حملات التشهير تلك، وتتواطأ مع المنظمات الصهيونية على إسكات كل صوت مناهض للخطاب الصهيوني.
عضو الكونغرس الأميركي السابق سنثيا مكّنِّي، كتبت مقدمة تروي عبرها معاناتها مع المؤسسات الحاكمة عندما طالبت بتشكيل لجنة تحقيق في اعتداءات الحادي عشر من أيلول 2001، رغم أن الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش الصغير ونائبه دِك تشيني، طلبا من قيادات الكونغرس الفعالة عدم تشكيل أي لجنة. لكن السيدة سنثيا، التي فقدت مقعدها النيابي لاحقاً أصرت على موقفها، فكانت النتيجة ملاحقتها في كافة وسائل التضليل إلى أن أخرجت من الكونغرس. المهم في مقدمة السيدة سنثيا أن معارضة المؤسسات الحاكمة في أمور تعد حيوية تجلب اللعنات على أصحابها.
أما وليم ربنسن أستاذ السسيولوجيا والدراسسات الأميركية اللاتينية في جامعة كاليفورنيا، فقد اقترح على طلابه قراءة نقدية لعدوان العدو الصهيوني على غزة في عام 2008. النتيجة أنه عانى في الأشهر الستة اللاحقة ملاحقات لا نهاية لها على يد اللوبي الصهيوني، إضافة إلى محاكمات إعلامية زاد من مرارتها انضمام رئاسات في الجامعة إلى اللوبي الصهيوني إليها.


مشروع قرار يجرّم المطالبة بمقاطعة كيان
العدو

عالمة الأنثروبولجيا الفلسطينية ناديا أبو الحاج، المحاضرة في جامعة كولومبيا عانت أيضاً على يد اللوبي الصهيوني عقب نشر مؤلفها facts on the ground الذي أوضحت فيه، ضمن أمور أخرى، تسييس الأركيولوجيا في كيان العدو لخدمة المشروع الصهيوني. النتيجة كانت ملاحقتها وملاحقة أعمالها ومحاضراتها والتشكيك في علمها والتزامها بالمعايير البحثية الأكاديمية: من محاولات التشهير بها مسائلة معرفتها بالعبرية [كذا!]، وإن زارت فلسطين المحتلة وهل لها علاقة بعلم الآثار، وإن بإمكان فلسطيني كتابة تاريخ «أرض إسرائيل» من دون انحياز لفلسطين...
أما السينمائي الأميركي - اليهودي البرفسور طري غنزبرغ فقد تجاوز، في منظور الحركة الصهيونية، كل المحرمات عندما طالب بالحديث عن ضحايا المحرقة النازية الآخرين ومنهم اليساريون والمتدينون والروم وغيرهم من الأبرياء.
في أعقاب الانتفاضة الأولى والعدوان على غزة، بدأ تشكل وعي جديد في الولايات المتحدة، وفي مؤسساتها الأكاديمية على التخصيص، لحقيقة الصراع العربي - الصهيوني، وكون العدو الصهيوني استعماراً استيطانياً عنصرياً. وقد عبّر عن هذا الوعي الجديد «طلاب من أجل العدالة في فلسطين/ students for justice for palestine, SJP» حيث تشكلت مئات اللجان المرتبطة بهذه المنظمات المحلية. كثير من المؤسسات الأكاديمية سارعت لمحاربة هذه المنظمات المحلية وفي مقدمتها جامعة لويولا في شيكاغو التي اتهمت أعضاء منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين المحلية بإثارة الفوضى فقط لأن أعضاءها عملوا على جمع تواقيع لمعرفة قوانين استحواذ التبعية «الإسرائيلية».
وفي عام 2014، قامت إدارة «جامعة منتكلير» الحكومية بإقامة دعوى على المنظمة المحلية لطلاب من أجل العدالة في فلسطين، متهمة إياها بتوزيع مناشير عدوانية مع أنها كانت تطالب ببحث مدى شرعية المستوطنات الصهيونية في شرقي فلسطين.
وكذلك فعلت «جامعة نورثإيسترن» في بوسطن التي أرسلت الشرطة لاستجواب أعضاء منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين.
يحوي المؤلف روايات تعود إلى نحو عشرين ضحية من ضحايا «حرية التعبير وحرية البحث العلمي»، علماً بأن المشرعين في الكونغرس الأميركي يعدون حالياً مشروع قرار يجرم المطالبة بمقاطعة كيان العدو والحض على إنهاء الاستثمار (BDS).
الأمر المهم الآخر في هذا المؤلف الجامع تفاصيل الملاحقات التي تعرضت لها شخصيات مرموقة وعلماء وناشطون فقط كونهم معادين للصهيونية وجوهرها العنصري العدواني، وإصرارهم على الاستمرار في النضال ضدها، مهما كان الثمن الذي عليهم دفعه.