منذ أيّام، يضج لبنان بجريمة تفوق كلّ تصوّر ارتكبت منذ سنوات في مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي، وأدّت إلى وفاة كثيرين.

«البطلة» الظاهرة إلى الواجهة حتى الآن هي رئيسة قسم الصيدلة في المستشفى، منى بعلبكي، التي أصدرت الهيئة العليا للتأديب، أخيراً قراراً يقضي بـ«إنزال عقوبة تأديبيّة مشدّدة من الدرجة الثانية» بحقها، إضافة إلى «عزلها من وظيفتها، والطلب من التفتيش المركزي التوسّع بالتحقيق مع شركائها كافة وإحالتهم على الهيئة العليا للتأديب، فضلاً عن إيداع الملف مجدداً النيابة العامّة التمييزيّة، والطلب من وزارة الصحّة إلغاء إذن مزاولتها مهنة الصيدلة وشطبها من الجدول»...

مع العلم بأنّ وزير الصحّة غسان حاصباني، قرّر بعد ذلك سحب إذن مزاولة المهنة من المتهمة.
ويأتي ذلك على خلفية «استيلائها على كمّية كبيرة من الأدوية السرطانيّة الموجودة في المستشفى، والمُقدّمة من وزارة الصحّة العامّة، وبيعها واستيفاء ثمنها بمئات ملايين الليرات لمصلحتها الشخصية، واستبدالها بأدوية أخرى غير فعّالة وفاسدة ومنتهية الصلاحية، وإعطائها لعدد كبير من المرضى المصابين بالسرطان، من دون علمهم ومعرفتهم، ما سبّب وفاتهم»، بحسب القرار رقم8/2017 (الأخبار 3/8/2017).
وفي الوقت الذي كثرت فيه الأقاويل عنها، خصوصاً لجهة وجودها في السعودية حيث تعمل منذ عامين، ظهرت منى بعلبكي، أوّل من أمس ضمن النشرة المسائية لكل من «الجديد» و«المؤسسة اللبنانية للإرسال»، في ما بدا كأنّها محاولة لتبرئة نفسها وتلميع صورتها، ولتشدّد بالدرجة الأولى على أنّها لا تتحمّل المسؤولية بمفردها!
قد يستنكر كثيرون، لا سيّما العاملون في مجال مهنة المتاعب، ظهور متهم أو مطلوب للعدالة عبر منابر إعلامية تعطيه فرصة للكلام، بينما يعتبر آخرون أنّ هذا «سكوب» مهني ومن حق أي صحافي التفرّد في كشف المعلومات. والأمثلة على مدى التاريخ، محلياً وعلمياً، كثيرة طبعاً. غير أنّه بين هذا الرأي وذاك، يبرز توجّه مهمّ يحرص على ضرورة أخذ الصحافي مسافة نقدية من «الشخصية السلبية» التي يقابلها، وأن يلعب دوره في المجادلة والمشاكسة والاستنباش، في سبيل مراعاة أدنى حدود المهنية المفترضة!


غياب الأسئلة الذكية والمسافة النقدية من الصيدلانية اللبنانية

للأسف، هذا ليس ما شاهدناه أخيراً على «الجديد» وlbci. تقرير الأولى (4:08 د)، حمل عنوان «المتهمة منى بعلبكي تمثل أمام «الجديد»». للوهلة الأولى، يظن المشاهد أنّه سيكون أمام تحقيق أو استجواب، إلا أنّ النتيجة مغايرة تماماً. أكدت راشيل كرم في تقريرها أنّ منى بعلبكي «ليست متوارية عن الأنظار كما قيل، بل إنّ كاميرا «الجديد» التقتها في منزلها لتقف على روايتها». جلست راشيل وجهاً لوجه مع المتهمة، وبدلاً من مجابهتها بأسئلة جريئة، فتحت المراسلة المجال لبعلبكي لقول كل ما لديها بأريحية، مكتفية بمحاولة لعب دور الشيطان بخجل شديد، طارحة عليها أسئلة «باردة» استثمرتها المتهمة في الدفاع عن نفسها، موجهةً أصابع الاتهام إلى «وزير الصحة السابق محمد جواد خليفة، ورئيس مصلحة الشؤون الطبية في مستشفى رفيق الحريري زهير طبارة، ورئيس لجنة الدواء فيها مصطفى عيتاني...»، ومشددةً على أنّ المسؤولية تقع على عاتق «الوزير والوكيل الذي أدخل الدواء إلى البلد»، مطالبة بمحاسبتها «على حجم غلطي».
وفيما بدت راشيل كأنّها سائحة في الموضوع الدقيق والمهم الذي تتناوله، ختمت تقريرها بسؤال: «قالت بعلبكي ما لديها وفي جعبتها الكثير. فهل يتحرّك القضاء، وبسرعة، لكشف خفايا هذه القضية التي بلغت من العمر ثمانية أعوام؟».
نسبة التراخي في التعاطي مع الرئيسة السابقة لقسم الصيدلة في مستشفى رفيق الحريري كانت أقل نسبياً في تقرير lbci الذي أعدّه إدمون ساسين (3:05 د)، على الرغم من أنّه لا يمكن القول إنّه نجح في مهمّته. البداية كانت درامية بعض الشيء. عبر الـ «إنترفون»، عرّف ساسين عن نفسه، وأكد لمنى بعلبكي أنّه لم يتصل بها قبل القدوم إلى شقّتها لأنّه لا يعرف رقم هاتفها، ولأنّه ظنّ أنّها في السعودية. فردّت بأنّها وصلت «قبل عشرة أيّام»، وأنّ لا مشكلة لديها في التحدّث إلى الإعلام لكن «من دون تصوير».
خلافاً لتقرير «الجديد»، لم تشأ منى إظهار وجهها عبر «المؤسسة اللبنانية للإرسال»، ربّما لأنّها لم تكن جاهزة شكلياً لهذا الأمر. على أي حال، مضمون كلامها جاء متطابقاً في الحالتين، في ظل إصرارها على أنّها «لم تبع أدوية سرطانية فاسدة وأنّ استبدالها أدوية سرطان بأخرى موزاية (جينيريك)، لم يؤدّ إلى وفاة أحد بل سبب أعراضاً جانبية». هذا الكلام جاء على لسان إدمون الذي أشار إلى أنّ «والكلام لها، ما قامت به مغطّى بقارارت إدارية»، قبل أن تعترف بحسب المراسل بأنّها «استعملت كمية ضئيلة من أدوية منتهية الصلاحية لا علاقة لها بالسرطان بهدف التوفير على المستشفى وبعد أخذ الموافقة الإدارية». وبعدما أكد إدمون أنّ الكلام دائماً حسب المتهمة، أوضحت الأخيرة أنّها «أصدرت مذكّرة، والأطباء ورئيس مصلحة الشؤون الطبية عارفين». وتطرّق تقرير lbci إلى الكلام نفسه الذي قالته منى عبر «الجديد» حول عدم بيعها «أدوية السرطان العائدة إلى الوزارة بعد استبدالها بأخرى فاسدة. فالأدوية الفائضة التي كان يجب أن تعود إلى وزارة الصحة، بيعت بقرار إداري أعلى منها». ومع قرب تقريره من نهايته، أعاد إدمون ساسين تذكير المشاهد بأنّ بعلبكي «أدانتها الهيئة العليا للتأديب، وعزلها المستشفى، ويلاحقها القضاء حتى الآن، وأدانها تقرير التفتيش المركزي»، قبل أن ينقل طلبها بـ «التوسّع في التحقيق في قضية شاحنة أدوية السرطان التي كانت مهرّبة إلى سوريا وضُبطت عام 2009». ثم ختم بعبارة أخرى تسجّل لصالحه: «هذه وجهة نظرها التي لم تقنع الهيئات الرقابية والقضائية، وتبقى للقضاء الكلمة النهائية».
بعد كثرة الكلام عنها، لجأت منى بعلبكي إذاً، في اليوم نفسه، إلى شاشتين لبنانيتين تجذب نشرات أخبارهما المسائية عدداً كبيراً من المشاهدين في مناطق لبنانية مختلفة. أرادت الدفاع عن نفسها، وإقناع الرأي العام بوجهة نظرها، فقالت ما لديها في ظل غياب أسئلة صحافية ذكية ومحرجة!