تاريخياً، برز النشاط النسائي في فترة ما بعد الحروب لإعادة التوازن الحياتي وسد الفراغ الذي خلّفه تراجع نسبة الشباب بسبب زجّهم في تلك الحروب. لذا يسود الاعتقاد بأنّ الحصّة الكبرى من مسؤولية إعادة نبض الحياة إلى المدن المنكوبة في الحرب، تكون من نصيب النساء غالباً.


وفقاً لهذا المنطق وتماشياً مع بدء ازدهار الحياة المدنية في سوريا وتأسيس جمعيات متعددة، مهمتها تمهيد الأرض نحو عودة الحياة الطبيعية والسلمية في البلاد التي أنهكتها الحرب، أسّست الإعلامية السورية ديانا جبّور جمعية «تاء مبسوطة» بالتعاون مع صديقات وسيدات مجتمع حصلن على التراخيص المناسبة لهذا النشاط. على أن يختلف توجّهها عن غالبية المؤسسات المدنية في سوريا هذه الأيام، كون هذه الجمعية تنطلق من ضرورة التأثير في المجتمع، وعدم الاكتفاء بدور المتفرّج. لكن الهمّ هنا، والرغبة، والتوجه، والهدف فنّية بحت. ومهما كان الأثر الذي تحقّقه هذه الجمعية طفيفاً، يبقى أفضل من لا شيء. في حديثنا معها، تقول مديرة الجمعية ومؤسستها ديانا جبّور: «لا أحد يتوّهم بأنّ هذه الجمعية يمكن أن تجترح المعجزات أو تحقق أهدافاً مهولة، لكننا لن نبقى متفرجين. سنعمل وفقاً لإمكانياتنا، ورؤيتنا الفنية البحت، من أجل خلق حالة تكافل اجتماعي، بعيداً عن المنطق الديني السائد في مثل هذه المسائل، وتحقيقاً لفكرة نظرية جذابة تتعلّق بتضافر جهود الأفراد لخلق حالة من الجمال المجتمعي».
وتضيف جبوّر بأنّ الاسم يحمل كل الدلالات اللازمة لفهم طبيعة الجمعية النسائية، وأنشطتها التي تعنى بالمرأة، على اعتبار أنّها ستتصدى لمهمة إعادة ضخ الدماء في عروق الحياة بعد الدمار الذي خلّفته الحرب. وفقاً لذلك، فإن الجمعية معنية بتمكين المرأة وتأهيلها لدخول سوق العمل الثقافي والفني كنوع من التمايز عن أي نشاط جمعوي مشابه.
إذاً تحرص «تاء مبسوطة» على أن تحوّل الثقافة إلى مهنة، والفن إلى مصدر دخل كريم بالنسبة إلى المرأة من خلال مجموعة أنشطة وفعاليات تتميز بمنطق التشاركية مع جمعيات وهيئات أخرى. بداية الخطوات العملية كانت من خلال معرض «من حبر الحرب سطر للفن». فكرة ارتكزت إلى إعادة تدوير مخلّفات الحرب، لكن بطريقة فنية تنتج شيئاً من الجمال، بالتعاون مع مجموعة تشكيليات سوريات. أما النشاط الثاني، فعبارة عن ورشة تدريب للصحافيات الناشئات وتعليمهنّ ضرورة العناية بالمفردات، ومراعاة النوع الاجتماعي خلال التغطيات، وعدم التستّر على بعض الجرائم عن غير قصد ومن خلال اللغة المستخدمة. أما النشاط الذي تستعد له الجمعية حالياً، فهو ورشة كتابة مسرحية. توضح: «يحتاج هذا النشاط إلى ثلاثة أنواع من التكلفة المادية، منها ما يتعلق بكلفة التدريب، ومقرّ التدريب، ومن ثم طباعة المسرحية الفائزة في كتاب. لذا، وجدنا من الناجع توقيع برتوكول مع «الهيئة العامة للكتاب» كي تتولى مهمة طباعة النص الفائز. أما مكان التدريب، فسيكون بالتعاون مع «جمعية مكان للفنون» التي يديرها النحّات مصطفى علي، وسيكون عمل المدربّين تطوعياً، ولن يحصلوا سوى على مبلغ مالي بسيط لتغطية نفقات المواصلات أثناء الورشة». هذا من الناحية اللوجستية والمادية، أما على مستوى التنظيم، فتفصح جبّور: «ستعقد جلسة تحديد للمشاركات ثم تنعقد الورشة ما بين 23 أيلول (سبتمبر) و 23 تشرين الأول (أكتوبر) ثم تدار جلسة تحكيم لمنجز المتدربات، على أن تصبح الورشة تقليداً يقام مرتين في كل عام. وما بينهما سنقيم ورشة لتعليم التصوير الضوئي، وتمكين المتدربات من مهنة تقيهن العوز، على أن تراعى حالة المتدربات اللواتي يتجاوزن المنطق الاحترافي ويصلن إلى الحد الإبداعي في المهنة».