باريس | كل الظروف كانت مهيأة لجعل «المغشوش» (94 د ـــ 2017) صوفيا كوبولا تحفة فنية جديرة بافتكاك جائزة أفضل إخراج في «مهرجان كان» الأخير. كأن وريثة «العرّاب» فرانسيس فورد كوبولا، أرادت أن تجمع في هذا العمل الذي يعد سادس أفلامها الروائية، كل المواصفات الفنية التي صنعت فرادة سينماها.


نجد في The Beguiled النبرة النضالية النسائية ذاتها التي اتسمت بها منذ باكورتها «العذارى المنتحرات» (1999) والبصمة المميزة في نحت البورتريهات النفسية لشخوصها، كما في رائعتها الأشهر «ضائع في الترجمة» (2003)، والروح المشاغبة، التي تغريها دوماً بمراوغة وإبهار مشاهديها، من خلال تلاعبها المتقن بالأمكنة والحِقب والأزمنة، كما في «ماري أنطوانيت» (2006)، والرؤية الإخراجية المحكمة التي تدير من خلالها الفضاءات المغلقة التي تشكل حجر الأساس في عوالمها السينمائية. فضاءات قد تكون مغلقة فعلياً، كما في «العذارى المنتحرات»، و«ماري أنطوانيت»، أو مغلقة رمزياً على الصعيد النفسي، كما في «ضائع في الترجمة» و«في مكان ما» (2010). الفيلم الأخير هو الذي كرّسها نهائياً في مصاف الكبار، إذ مُنحت عنه «الأسد الذهبي» في «مهرجان البندقية السينمائي» عام 2010.
الى جانب كل ذلك، يعكس فيلم «المغشوش» بامتياز جسارة الخيارات الفنية لصوفيا كوبولا. الجدل الذي رافق فيلميها «ماري أنطوانيت» و«في مكان ما»، لم يحد من إصرارها على ركوب المجازفة. بإقدامها على إعادة اقتباس رواية A Painted Devil لتوماس ب كولينان، ترفع المخرجة هنا تحدياً لا يقل جسارة عن ذلك الذي رفعته حين تصدّت لخلخلة الصورة المكرسة عن ماري أنطوانيت، أو حين طرقت المحظور العائلي من خلال قصة «في مكان ما» المستوحاة من علاقتها الإشكالية بوالدها ذي الطباع النارية.
والمعروف أن رواية كولينان سبق أن اقتُبست سينمائياً، عام 1971، في فيلم بات اليوم من الكلاسيكيات (إخراج دون سيغال، بطولة النجم كلينت إيستوود). شكّل ذلك الفيلم علامة فارقة في مسار إيستوود، اذ كانت المرة الأولى التي لم يظهر فيها على الشاشة في صورة البطل الهوليودي المنتصر والممجّد لجبروت القوة، بل جازف بكسر الصورة النمطية المتداولة عنه، من خلال تقمصه لدور بطل «المغشوش»، الجندي جون ماك بورني، الذي ينتهي به الأمر كسيراً ومهزوماً من قبل حفنة من النساء، في مدرسة بنات معزولة، بعدما اعتقد في البداية بأنه يسهل عليه التلاعب بعقول نزيلاتها، مستعملاً سلاح الغواية. وإذا بالسحر ينقلب على الساحر، إذ تتحالف ضده من اعتقد أنّهن فريسة سهلة لغواياته، ليجد نفسه هو الفريسة فيما كان يعتقد أنّه الصياد!


اتخذت من السياق
التاريخي المرتبط بالحرب الأهلية
الأميركية ديكوراً خلاباً

لتفادي أي مقارنة بين عملها وبين فيلم دون سيغال الكلاسيكي المكرّس، أو بين أداء العملاق إيستوود وأداء النجم كولن فاريل، الذي أسندت إليه دور الجندي ماك بورني، أسقطت كوبولا الكثير من تيمات وعناصر الرواية الأصلية، التي كان فيلم دون سيغال قد استعادها بشكل شبه حرفي. ومنها، مثلاً، علاقة الحب المحرّمة التي ربطت مديرة المدرسة (جيرالدين بيج في الاقتباس السينمائي الأول/ نيكول كيدمان في الاقتباس الجديد) بشقيقها، الذي انمحى وجوده تماماً في فيلم كوبولا.
لم تأخذ كوبولا من رواية كولينان سوى جدلية الصياد والفريسة، مستلهمة بعض وقائع القصة الأصلية، التي تدور أحداثها عام 1864، في أواخر فترة الحرب الأهلية الأميركية. في ذلك السياق، يتعرض الجندي في الجيش الشمالي (القوات الاتحادية)، جون ماك بورني، لإصابة بليغة في الساق، خلال إحدى المعارك في ريف فيرجينيا الذي يؤيد سكانه الجيش الجنوبي (القوات الانفصالية). يُعثر على الجندي الجريح، فاقداً للوعي، من قبل إحدى تلميذات مدرسة داخلية معزولة، وسط غابات فيرجينيا، فتقرر المديرة إيواءه ومعالجته، تمهيداً لتسليمه الى القوات الجنوبية، بعد أن يكون قد استعاد قواه. لكن الجندي، حين يشرع بالتعافي، تدفع به غريزة البقاء إلى اللجوء سراً إلى مغازلة مديرة المدرسة ومعلمة اللغة الفرنسية وعدد من التلميذات، كل واحدة على حدة، أملاً في استعمال سلاح الغواية لاستمالتهن، حتى لا يقمن بتسليمه لأعدائه الجنوبيين.
في ظل الحرمان العاطفي السائد في عزلة مدرسة البنات تلك، يؤتي سلاح الغواية ثماره في البداية. تتنافس نزيلات المدرسة سراً للظفر بقلب أسيرهن الجريح، مما يجعلهن يحجمن عن تسليمه للقوات الجنوبية. لكنهن لا يلبثن أن يكتشفن ألاعيبه، فيتحالفن للانتقام منه. ذات ليلة، تكتشف إحدى التلميذات المولعات به خلوته بمعلّمة اللغة الفرنسية، فتدفعه بعنف من أعلى السلم، مما يتسبب في تدهور إصابة ساقه. هنا، تتحالف اللواتي كن في البداية يتنافسن لكسب حبه، وينتقمن منه بمنتهى السادية، من خلال بتر ساقه بحجة أنها قد تصاب بالغنغرينا إذا لم تُقطع!
لكن جدلية الصياد والفريسة لا تلبث أن تنقلب مجدداً. يتعافى الجندي تدريجاً ويطوّع إعاقته، فيسترجع عزيمته وسلاحه، ويخضع غريماته بالقوة، مهدداً بأنه سيمتلك في كل ليلة من يقع اختياره عليها. لكن الضربة القاصمة تأتيه من أصغر التلميذات «إيميلي»، التي كانت قد عثرت عليه في الغابة، وظلت متعاطفة معه طوال الفيلم، إلى أن فجعها بقتل سلحفاتها خلال إحدى نوبات الغضب التي استبدت بعد بتر ساقه.
حيال انهزامهن وعجزهن عن التصدي لتهديدات الجندي، بعدما اعتقدن أن بتر ساقه سيجعله فريسة سهلة بين أيديهن، يأتي الخلاص من «إيميلي»، التي تقترح الخروج الى الغابة بحثاً عن فطريات قاتلة يطبخنها له، فيتخلصن منه بتسميمه!
على غرار ما فعلته في فيلمها المثير للجدل المستوحى من سيرة ماري أنطوانيت، اتخذت صوفيا كوبولا من السياق التاريخي المرتبط بالحرب الأهلية الأميركية ديكوراً خلاباً، منح لفيلمها كثيراً من الأقل على الصعيد البصري. لكنها جعلت هذا السياق التاريخي مجرد خلفية لصراع أزلي ساءلت من خلاله ثنائية الخير والشر. بذلك، راوغت كوبولا المشاهد، على عادتها، اذ لم تقدم فيلماً تاريخياً، كما كان متوقعاً منها، بل نحن أمام فيلم ذي منحى نفسي وتأملي يطرح إشكالية عصرية وراهنية بامتياز تتعلق بالتباس جدلية الجلاد والضحية!

The Beguiled لصوفيا كوبولا: بدءاً من 24 آب (أغسطس) في الصالات اللبنانية