معركة «فجر الجرود»، الاسم الذي أطلقه الجيش اللبناني، على عملية تحرير جرود رأس بعلبك والقاع فجر السبت الماضي، انطلقت شرارتها الأولى افتراضياً، ولهذا الأمر دلالة هامة. إذ غرّد قائد الجيش جوزيف عون من حسابه الخاص على تويتر: «باسم لبنان، والعسكريين المختطفين ودماء الشهداء الأبرار، وباسم أبطال الجيش اللبناني العظيم، أطلق عملية فجر الجرود». لكن مقارنةً بمواكبة معركة «جرود عرسال» في 21 تموز (يوليو) الماضي، بدا الإعلام اللبناني في حالة استرخاء شديد.


اكتفى ببضع رسائل مباشرة على الهواء، من نقاط قريبة من المعركة، وبثّ الأناشيد والأغاني الوطنية. الزخم والرسائل الإعلامية التي حظيت بها المعركة السابقة، لم تنسحب على «فجر الجرود»، فيما أعيد تظهير الانقسام السياسي، واستُخدم الجيش مجدداً للتصويب على «حزب الله».
«فجر الجرود»، التي حرص رئيس الجمهورية ميشال عون، على الحضور بشكل شخصي الى غرفة عمليات الجيش، ومن هناك، توجه بخطاب الى المقاتلين وحيّاهم، منتظراً منهم «تحقيق النصر»، تزامن انطلاقها مع معركة «وإن عدتم عدنا» في القلمون الغربي، على المقلب السوري، إذ خاضها كل من «حزب الله» والجيش السوري. وهنا انقسم الخطاب الإعلامي اللبناني، بشكل عامودي، على خلفية التنسيق أو عدمه بين الجبهتين. قتال «داعش» من الحدود اللبنانية، والسورية المقابلة، تحوّر مع تخندق كل وسيلة إعلامية، حول سياستها وخطّها التحريري.
«المنار» دمغت شاشتها بهاشتاغين اثنين هما «#فجر_الجرود»، و«وإن_عدتم_عدنا»، ووزّعت فريقها السابق الذي واكب معركة «جرود عرسال»، بين القلمون الغربي/ سوريا (محمد قازان)، ورأس بعلبك (علي يزبك). كانت «المنار» حريصة على تظهير وحدة التاريخ والجغرافيا بين سوريا ولبنان، والحدود المتداخلة بين البلدين، التي «حاول الإرهاب كسرها، فحريّ أن نتجاوزها اليوم بوحدة الدم والسلاح» كما جاء في مقدمة أخبارها المسائية أول من أمس.


الإعلام الخليجي
و«المستقبل» وmtv انشغلت بالتصويب على «حزب الله»

بدورها، سارت «الجديد» في الاتجاه عينه، موكدةً على وحدة السلاح بين الجبهتين. وأوردت في مقدمة أخبارها المسائية في اليوم عينه، مخاطبة الجيش اللبناني: «يمناك التي تقاتل فيها، لاقتها يسرى رجال الله ومعهم جنود الجيش السوري». واعتبرت أن التاريخ «يسطّر ملحمة بطولية جديدة (...) ويفتح صفحة لنصر مؤكد». هذا الخط الذي رسمته المحطتان، خرجت عنه «المستقبل»، التي بدت في هذه المعركة، رأس حربة في التصويب على «حزب الله»، عبر الإصرار على أنّ «فجر الجرود» يخوضها الجيش اللبناني «وحده لا شريك له»، وأن المعركة الأخرى في القلمون الغربي انطلقت بعد بدء الأخيرة على الحدود اللبنانية. mtv لم تبتعد كثيراً عن هذا النفس في التعاطي مع المعركة الحالية، بل ذهبت أبعد من ذلك، عندما ركزّت على أهمية ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، وصولاً الى «مزارع شبعا» المحتلة، التي اعتبرتها «الممرّ السائب لمصالح الإقليم على حساب المصلحة الوطنية»، في إشارة الى السمفونية المكرورة في اتهام «حزب الله» باستخدام «مزارع شبعا» كذريعة وكخدمة للنظام السوري.
إذاً، حوّرت معركة «فجر الجرود» عن خطّها العسكري والوطني. تراخى الإعلام اللبناني في التعاطي معها كمعركة مصيرية وصعبة في وجه عدوّ شرس كـ «داعش»، وتحوّلت التغطية الإعلامية الى ساحة جديدة لتصفية الحسابات السياسية، والمصلحية، عنوانها التنسيق أو عدم التنسيق بين الجبهتين السورية واللبنانية. ودخلت اليها عنوة معركة أخرى في مخيم «عين الحلوة» في الجنوب اللبناني، وسؤال كبير حول مصير العسكريين المختطفين لدى «داعش». كل هذه العناصر شتّت المشهد الإعلامي اللبناني على الرغم من الجهد الواضح لمراسلي القنوات، الذين بقي قسم ملحوظ منهم، مرابطاً هناك، على رأسهم مراسل lbci ادمون ساسين. في المقابل، تظهّر أكثر نقص كادر مراسلي «الجديد» بسبب وجود عدد كبير منهم في «موناكو» لحضور حفل زفاف نائبة رئيس مجلس إدارتها، كرمى خياط، فاضطرت المحطة الى الاستعانة مثلاً بالمعدّة للفقرات الاقتصادية ألين حلاق لتدلي برسالة من هناك. ولم يكن بالأمر الصعب التقاط ضعف الإلمام لديها في تغطية المعركة العسكرية.
خليجياً، اصطف الإعلام مع القسم اللبناني النافي لأي تنسيق بين الجيش اللبناني وبين الحزب والجيش السوري، فيما ركزت «الميادين» على وحدة ما وصفتها بـ «المعركة المزدوجة» التي تخاض اليوم ضمن «جغرافيا واحدة وفي وجه عدوّ واحد». وتحت شعار «بمجدك احتميت»، قصدت الشبكة الإعلامية ضمّ جميع المعارك التي تخاض اليوم ضد «داعش»، من بغداد فسوريا الى بيروت، مع التنويه إلى أن الجيش لم يعلن التنسيق في هذه المعركة «لاعتبارات سياسية».