من يعاين سيرورة تطوّر الأساليب الإيقاعية في الشعر وتفاعلاتها مع المبنى، يجد أن «قصيدة النثر العربية» تقع خارج هذه الرحلة، هي ظاهرة مبتورةٌ عمّا سبقها؛ أو قل هي ليست حلقة متطوّرة إيقاعاً، مفهوماً ومبنى عن القصيدة العربية، أو أي قصيدة أخرى كما يبدو. فلو ألقينا لمحة سريعة على بزوغ قصيدة النثر في حضارات أخرى لرأينا أنها لم تأتِ من عَدَم، ولا مبتورةً عن سياقها النشوئي في ثقافتها. قصيدة الـ «هايبون» اليابانية تُعتبر أول مداخل قصيدة النثر عالميّاً (القرن السابع عشر)، وهي نتجت عن سكب فقرات نثرية داخل هيكل الـ «هايكو» الصارم (ثلاثة شطور محدّدة المقاطع).


مفهوم «البيت الحُرّ»(1)، verse libre، والسابق لقصيدة النثر بسبعين عاماً، وُلد في فرنسا (القرن التاسع عشر) على يدِ قامات شعرية باسقة (بودلير، ملارميه، رامبو..) عالَجَت «البحر الإسكندري» الجاثِم على كاهل الشعر الفرنسي منذ القرون الوسطى، وأشبعَتهُ استنفاداً قبل الانتقال منهُ إلى «البيت الحر».
لو أخذنا بعين الاعتبار:
1) أن البحر الإسكندري قائم على مبنى الشطرين من ذوي الستة مقاطع.
2) أن اللغة الفرنسية المعاصرة، بخلاف الإنكليزية، لم تعد تُمايز ما بين المقاطع المنبورة (ثقيلة) وغير المنبورة (خفيفة)، ما يعني استحالة خلق أنساق نبرية طبيعية في شطور الإسكندري، والأنساق النبريّة هي لبّ الإيقاع الشعري للّغات الأجنبية؛ حينها سنفهم حتميّة انتفاض ذاك الرعيل من الشعراء على ما ورثوه من سلَفهم المباشر (الرومنسي) أو سلفهم السحيق (القروسطي). مع ذلك، نلاحظ أن رواد البيت الحر لم يتوخّوا «الإطاحة بكل شيء» من باب «التمرّد»؛ فنواياهم المعلنة كانت «الحفاظ على المزايا الأساسية للبيت الكلاسيكي بعد التخلّص من شوائب التصقت به بحكم العادة»! بالنتيجة، فالبيت الحر أصبح يعني مقطعاً شعريّاً، لا يلتزم عدداً من الشطور، لكنّه يخلق منطقاً إيقاعيّاً، أو «بحراً» وليداً في كل قصيدة. والنتيجة الأخرى كانت أن شعراء الإنكليز احتضنوا «البيت الحر» بحفاوة بالغة مع بدايات القرن العشرين دون تضحية بإيقاعياتهم النبريّة والحاضرة جداً في لغتهم. والخلاصة هي أن البيت الحر لم يعنِ الإطاحة بالنظام الإيقاعي كما قد يوحي اسمه؛ بل تليين الأسس الإيقاعية المتوارثة واستخدامها لخلق أنساق أكثر مرونةً وتجاوباً مع متطلبات العصر.
بعد مرور سبعين عاماً على نشوء واختمار البيت الحرّ، ظهرت في خمسينيات القرن الماضي «قصيدة النثر» الغربية مخالِفةً كلّ ما سبقها دون طرح أية بدائل معياريّة، شكلاً أم إيقاعاً. تَنصُّلها من الانتماء إلى الشعر أو إلى النثر إلّا إذا امتزجا، أدخلَ قصيدة النثر منذ ولادتها في دوّامة تعريفيّة لم تُحسَم تماماً بعد. واللافت هو أن روّاد «قصيدة النثر العربية» التحقوا برَكبها في الخمسينيات أيضاً، دونما اكتراث لأهمية الحاضنة الفارقة التي سبقتها في أوروبا، ألا وهي البيت الحر. بمعنى أن قصيدة النثر العربية لم تكن نتيجةً أو حتى طفرة على أي رافد شعري عربيّ، بل خلاصةً مستوردة خضعت لعملية «ترجمة فوريّة». من متابعة شروح ومقاصد كتّاب قصيدة النثر، وهم الذين يقومون بالتنظير لها غالباً، يتولّد الانطباع بأنها قصيدة لا تكاد تلتزم سوى: الرفض! رفض الشّكل، الهيئة الصوتية، الوزن، التشطير...الخ. وإلى جانب ذلك، يتداول معظم المشتغلين بها بضع سمات قال الفرنسيون إنها تميّز قصيدة النثر عن نصوص شعرية أو نثرية أخرى: الإيجاز، شدّة الوتيرة السردية، واللاغائية، أو اللاغرَضية كما يترجمها البعض. إلى جانب كون هذه السمات غير معيارية بنيوياً وموسيقيّاً، يبدو أن تذويتها عربيّاً ما زال مسألةً خلافيّةً. هنا أستشهد بقول لعبد القادر الجنابي وهو الباحث الملمّ بتطور قصيدة النثر العالمية وملامحها: «ما هي قصيدة النثر؟ إنها كل هذا وليس. لكن الشيءَ المؤكد هو أنها نقيض قصيدة النثر العربية السائدة التي لا تلبي مطلباً واحداً مما اتفق جل النقاد عليه، رغم كل الاختلافات بينهم، بشأن قصيدة النثر».


قصيدة الـ «هايبون»
اليابانية تُعتبر أول مداخل قصيدة النثر عالميّاً

هذا الاتهام الجريء لم يُقابَل بالإنكار ولا بالدحض، بل قوبل بما معناه أن قصيدة النثر العربية قد تجاوزت السّمات العالميّة لمصلحة حريّةٍ أوسع في استدراج النثر(2). ويضيف بعض المتحمسين أن قصيدة النثر العربية غير مطالبة بمرور أي مخاضات أو مراحل بينية أسوةً بتلك الغربية، لأن مطالبة كهذه ستكون بمثابة تقليد للغرب!
اختصاراً لجميع هذه المناكفات، يجب القول هنا بأن المراحل البينيّة ليست وقفاً على إيقاعات الشعر ولا هي حصرية لثقافة بعينها. بل إنها حلقات نشوء طبيعية لا تأتي بقرار ولا يتم اختزالها أو تجاوزها بقرار. تاريخ تطور الفنون في العالم مبني على حلقات بينية، فكل مرحلة فنية هي في نهاية الأمر حلقة وسيطة بين ما سبقها وما يليها، وهذا ليس رأياً شخصياً بل حقيقة تاريخية. ولا بد من التأكيد على أن «الثمار» لا يمكن أن تنفصل عن «المخاض» في حالة الأدب والفنون. فالقصيدة ليست سلعة، ولا سيارةً نقتنيها ونستخدمها من دون أن نكلف أنفسنا معاناة بنائها وتطويرها بحيث تتناغم مع روحنا الثقافية. وأخشى أن محاولاتنا لتقزيم أهمية المراحل البينية هي محاولات التفافية، يراد بها إعفاء أنفسنا (كمبدعين) من ضرورة البحث والعمل الجادّ والمرهق، لا غير.
ولو نحيّنا أزمة «تعريف قصيدة النثر العربية» جانباً، وعُدنا إلى محور الإيقاع، أو على الأصح إلى أسباب تنصّلها من الإيقاع المسموع لصالح «إيقاع مختلف»، فهذا ما يقوله أنسي الحاج (عام 2006) وهو من الروّاد المؤسسين لقصيدة النثر العربية في الخمسينيات: «ما يجده الناظم في الوزن أجده في النثر... استنباط الإيقاع من النثر هو أشبه بتحويل المعدن الرخيص الى ذهب». من هُنا يُفهَم كأن الوزن هو مسألة حسابيّة ما، قد ينجح «الناظم» في سبر أغوارها، فتولد القصيدة! بينما يقوم الشاعر الآخر بالبحث عن معادلات أخرى مخبّأة في النثر، فيرتقي به من مستوى التنك إلى الذهب؟! إذا أُخِذَ مأخذَ الجد، فهذا الكلام ينمّ عن استخفاف وتسطيح لأهمية العنصر الإيقاعي في الشعر من جهة، وأيضاً عن تبخيس لقيمة النثر بحد ذاته. وبالتالي لا أفهم كيف سنقوم بخلق «نوعٍ أدبي فذّ» يزاوج النوعين في حين أننا نجهل مقوّمات الشعر الموسيقيّة ونتعالى على جوهر العنصر النثري؟! وهنا لا بد لي من المقارنة ما بين أحد مواقف ت. س. إليوت، حين رفض تسمية النقّاد لإحدى مقطوعاته النثرية بـ «قصيدة نثر» قائلاً: «إن هذه المقطوعة تفتقر إلى جميع الأركان الموسيقية التي عليها تقوم قصيدة»! وبين كلام الحاج: «ومع هذا، ستظل الأوزان المعروفة مرغوبةً لأن إيقاعاتِها استراحةٌ للوجدان ونزهةٌ راقصة للذاكرة والقلب، ولأن في إتقانها براعةً تنتزع الإعجاب، وكم يحتاج الإنسان الى الإعجاب بما لا يستطيعه شخصياً!»(3). من هذا، يبدو أن روّاد قصيدة النثر العربية اختزلوا مفهوم الإيقاع الشعري بمجمله إلى رقصةٍ شعبية لا يتقنونها. وهنا يكمن برأيي أحد المنزلقات التي وقع بها بعض شعراء النثر؛ فالإيقاع الشعري هو أسٌّ جوهري لمبنى القصيدة، وأهميته تفوق أهمية القوافي وسائر المحسّنات اللفظية بما لا يقارَن. والإيقاع الشعري لا يعني بالضرورة الطرب والتطريب، ولا هو يحول القصيدةَ إلى أنشودة، أو الشعرَ إلى «شعر غنائي». لا أرى أحداً يلوّح برأسه طرباً عند سماعه قول المعري: «خفّف الوطءَ، ما أظنُّ أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ»، ولا قول الهذليّ: «عجبتُ لسعي الدّهر بيني وبينها/ فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدهرُ». وهما بيتان موقعان على بحور مغرقة في القِدَم، فما بالك ببعض نصوص تفعيلية حديثة؟
لا خلاف على أن الوزن والتشطير لا يشكّلان القصيدة، تماماً كما لا يشكل السلم الموسيقي وصفةً لخلق مقطوعة موسيقية، ولا الكلمات المتحررة من كل نظام تشكل بالضرورة نصاً، شعريّاً أو غيره. لكن الأمانة الفكرية تقتضي أن نتأنى بعض الشيء قبل اعتبار جلّ مركبات الشعر «عناصرَ فائضة يمكن الاستغناء عنها»، وأن نكف عن التلويح بقميص «أقفاص الفراهيدي»، معتقدين أن هذا التلويح يعفينا من عناء تذويت الفقه الشعري العربي على كل تطوراته. فالشعرية العربية لم تستوحِ إيقاعاتها من المريخ ولا من نوق الصحراء، بل من جوهر اللغة. وما دُمنا مصرّين على الكتابة باللغة العربية، فلنعلَم أن الحركة الصوتيّة الأساسية للّغة العربية تقوم على عنصرين متمايزين هما: المقطع القصير (كقولك: وَ) مقابل المقطع الطويل (كقولك: لا). حضور هذين العنصرين الصريحين هو راسخ في الأذن العربية إلى درجة لا تمكنّها من تجاهلهما حتى أثناء القراءة الصامتة. إيقاع الشعر العربي، على مختلف بحوره، تفاعيله ومشطوراته، يقوم على التباين بين هذين العنصرين، أو على تراتباتهما في دوريّات قد تكون أكثر أو أقل صرامةً، واضحةً أو أقل وضوحاً. ومنذ الطفولة، ترتاض أذننا العربية على حضور هذه التراتبات في كل «بيئة شعريّة»، سواء أكانت أنشودة مدرسية أم قطعة محفوظات أم قصيدة. هذا لا يعني أن أذن الطفل أو البالغ العربي تمايز بالضرورة ما بين هذه التفعيلة وتلك، بل أنها ارتاضت على كون انتظام إيقاعيات اللغة صوتاً عضويّاً في أيّ قول شعريّ، تماماً كما اعتادت على كون حركات الإعراب والتنوين صوتاً عضويّاً في اللغة الفصحى تستهجن أذننا غيابه.

«ما يجده الناظم في الوزن أجده في النثر... استنباط الإيقاع من النثر هو أشبه بتحويل المعدن الرخيص الى ذهب» (أنسي الحاج)

عند انكشافنا إلى النصوص النثرية، الصحافية أو العلمية يكون الذهن مبرمجاً على متابعة المعلومة القصصية، الإخبارية أو الفكرية، وإيقاعات اللغة تأتي عشوائيّةً بطبيعة الحال، فلا تنشغل الأذن بتوقّع تراتبات الإيقاع كما في حالة نص يطرح نفسه «قصيدةً». وإن تناولتَ جزءاً كبيراً من قصائد النثر العربية، فلن تعثر على «الكتلة اللازمنية»، أو «قطعة البلّور التي تتلألأ فيها مئات الانعكاسات» على حد قول آبائها الفرنسيين، بل يطالعك نص مكتوب بتشطير مقصود أو مفروض، وعبارات متراوحة الطول والقصر تحمل سرداً هو ليس بالقصصي ولا الإخباري، بل يطرح نفسه شعراً. هنا، لا إراديّاً، تبدأ الأذن العربية بتوقّع «النحو الإيقاعي المسموع»، وحين لا يتحقق هذا على أي تراتب منطقي بل يمضي في عشوائيته، فالطاقة الإيقاعية الكامنة في اللغة ستتحول إلى «تشويش»؛ يمكن تشبيهه بالأصوات الصادرة عن الفرقة الموسيقية أثناء دوزان الآلات، فهذه تكون أكثر إرهاقاً للأذن من ضجيج آخر. لماذا؟ لأنّ توقّعات الأذن منها كـ «أصوات موسيقيّة ستأتلف في مقطوعة ذات معنى» لم تتحقق بعد. (وقد يكون هذا أيضاً أحد العوامل التي تضفي على بعض قصائد النثر العربية طابع النص المترجم عن لغةٍ أجنبية؛ وهو من المآخذ الهامّة والمنتشرة بين منتقدي قصيدة النثر) .
هل هذا يعني أن الأذن/ اللغة العربية ستبقى محكومةً للإيقاع؟! ذلك ما لا يعلمه أحد؛ لكن المعلوم والمؤكد أن قصيدة النثر أُسقِطَت على أذهان العرب جمهوراً وشعراء دون أيّ تمهيد أو اختمار مرحلة انتقالية تعتاد خلالها الأذن الجمعية على الاستغناء حتّى عن البحور الكلاسيكية، فما بالك بالاستغناء عن الإيقاع برمّته! يجدر التذكير بأن قصيدة النثر أُدخلت إلى الفضاء العربي (نهاية الخمسينيات) قبل نضوج «قصيدة الشطر»، ناهيك من قصيدة التفعيلة، التي لم تتبلور حقيقةً قبل السبعينيات. بكلمات أخرى، فقصيدة النثر حاولت فرض حضورها على «الشعرية العربية» من دون مرور الأخيرة بفترة مِران موازية، ولو جزئيّاً، لتجربة البيت الحر في الشعر الأوروبي. وبالشعرية العربية أقصد ذهنية الجمهور وذهنية الشعراء سواسية!
الأذن البشرية مدهشة بمرونتها وقدرتها على تذويت تشاكيل صوتية حديثة، جريئة أو غير معهودة؛ لكن تلك المرونة مشروطة بالترويض التدريجي المتواصل، وبفترات زمنية مطلوبة لتخمّر التجربة السمعية لدى المتلقّي، ولا يقل عن ذلك لدى المُبدع أيضاً. على سبيل المثال: من بين البحور العربية، هناك بحر استحدثه العباسيون هو المتدارَك، وهو بحر لم تستسغه الأذن العربية الجاهلية ولا الأموية، مع أنه يعتمد تفعيلة حقيقية؛ ثم اشتق بعض العباسيين عنه ما يعرف بالـ «خَبَب»، وهو ميزان غير تفعيلي على الإطلاق لكونه معدوم الأوتاد الحقيقية، ولذا فقد بقي على هامش التجربة الشعرية العباسية. هذا الميزان (الخبب) بُعِثَ حيّاً لدى بعض شعراء القرن العشرين، من دون أن يلقى تحفظاً من جمهورهم؛ بل كان أن أضافت نازك الملائكة إلى وحداته مرونةً إضافية، (جواز فاعلُ في الخبب)، وهذه الإضافة لم تكسبه رخاوةً فائضة فحسب، بل طمست ملامح جده المتدارَك أيضاً، ومكّنته من التنقل عشوائياً بين فصائل إيقاعية لم يكن خلطُها وارداً من قبل، لا عند العباسيين ولا شعراء القرن العشرين! ولو أخذنا من شواهده مثلاً قصيدة نزار قباني: «زيديني عشقاً»، فإن كثرة المقاطع الطويلة المتتالية في هذه العبارة وحدها كانت كافية لإخراج هذا النص من دائرة تعريف الشعر الكلاسيكي وإحالته إلى تعريف النثر دون أي تردد. ومع ذلك تقبلته آذاننا الحديثة دون أيّ امتعاض، ما يدلّ على المرونة الهائلة التي اكتسبتها مع الزمن والتجربة. هذا ناهيك عن استخدام درويش لتفعيلتين مختلفتين تتناوبان على الأذن بِحُريّة في «جداريّة»، أو بعض قصائده الأخيرة التي تستحق وصفها بـ «كتلة بلّور تتلألأ فيها الانعكاسات»، فهي كتلة لا تعتمد التشطير، خالية من القوافي، ينظمها خيط تفعيلي مرن إلى حد أنك لا تخال سمعَ أحدنا قادراً على متابعة التفعيلة! ناهيك بالتذمر من «وطأتها». هذه التجارب الحداثية، أو بعضها، تُذكّر إلى مدى بعيد بالبيت الحرّ؛ وهي لم تُثِر أيّ استغراب لدينا، والأهم أنها لم تولّد أي قطيعة مع آذان المتلقّين، ما يدلّ على منطقيّة ذلك التطور التدريجي والعضوي في إيقاع الشعر.

الحركة الصوتيّة الأساسية للّغة العربية تقوم على عنصرين متمايزين هما: المقطع القصير والمقطع الطويل


غني عن القول إن هذه المرونات الحداثيّة لم تلقَ أي اكتراث من «شعراء النثر»، ولا حتى بمحاولة اعتبارها مرحلةَ اختبار تهيّئ الشاعر والمتلقي للانطلاق نحو لغةٍ هي أكثر مرونة وحريّة من جهة، وهي متينة في الآن نفسه. فقصيدة النثر منذ يومها الأول، وبحكم تعريفها، حسمت أمرَها ضد النحو الإيقاعي بمجمله معتبرةً إياه هياكل بائدة من ألفيّة ابن مالك، أو رقصة فولكلورية أكل الدهر عليها وشرب، كما لمحنا من شروح بعض مؤسسيها. أضف إلى ذلك فمن معظم الطروح والسّجالات التنظيرية بخصوصها يبدو أن قصيدة النثر لا تأخذ أذن المتلقّي بالاعتبار كطرف في هذه العلاقة ما بين المبدع وبين «قصيدته»؛ ولا يمكن تبرير هذا التجاهل بكون قصيدة النثر «تولد على الورق وبالتالي فهي ليست صوتية»! فاللغة ولدت أولاً وأساساً كظاهرة سمعيّة (أكُوسطيّة) قبل أن تُكتب على ورق؛ ومن غير المنطقي ولا المفهوم أنّ إبداعاً قوامهُ اللغة، يحلو لهُ التنصّل أحاديّ الجانب من صوتها!.
ولأجل ماذا؟ قد يسألنا القارئ، ما هي الفائدة المرجوّة من «قصيدة» تضرب عرض الحائط بكل المعايير المذكورة أعلاه: إيقاعيّة صوتيّة ولغويّة أيضاً؟
قد نقول له إنها قصيدة لا تلتزم سوى «الصورة الشعرية»، وهي جوهر الشعر.
فيسأل: وما هي الصورة الشعرية؟ وبماذا تختلف عن صورة نثرية أو كلامية؟ ولماذا نقوم باختزال نوع أدبي عملاق كالشعر إلى مفهوم «صورة»؟! لمَ لا نسميها لوحةً لغويّة، أو رسماً بالكلمات. بمعنى آخر، لمَ الإصرار على تجيير وتقهير المصطلح «قصيدة»؟ ومن قال لنا إن القصيدة يمكن أن تقوم على كثافة جرعات الصور الشعرية فقط، دون إطار يمنح الذهن فرصةً للتنفس؟ ولمَ لا نقوم باستبدال أطعمتنا بكبسولات الفيتامين الصرف؟ وهل تقوم السمفونية على عرض الثيمات الموسيقية الجميلة، دون تطويرها ورصد ثناياها وأبعادها؟
أمّا لو قلنا: إن قصيدة النثر تتوخى خلق صور سوريالية لا يتيحها بيان اللغة العربية.
لأجابنا القارئ: وكيف أتيحت صور كهذه في قول البياتي: «اللّهُ والأفقُ المنوَّرُ والعبيد، يتحسّسون قُيودَهُم»؟
ولو قلنا: إن قصيدة النثر استدرجت اللغة اليومية إلى قلب الشعر.
لأجابنا: ألم يستدرجها القباني حدّ الثمالة: «حتى فساتيني التي أهملتُها، فرحَت به، رقصَت على قدميه»؟
أما اذا قلنا: إنها قد طهّرت اللغة الشعرية من قوافيها ومحسِّناتها اللفظية ومن قرقعتها الخطابية.
لأجابنا: وماذا عن جدارية درويش: «-هذا هو اسمُكَ، قالت امرأةٌ وغابَت في الممر اللولبيّ. أرى السماءَ هناكَ في متناولِ الأيدي»(4)؟
فماذا نحن قائلون للقارئ، يا سادتي الشعراء؟
ستّون عاماً قد مضت على ولادة قصيدة النثر العربية؛ ويبدو أن كل هذه العقود لم تكفِ لبلورتِها كنوعٍ أدبيّ بيّن الملامح، ذي معايير ثابتة يلتزم بها شعراء النثر، ليس على مرّ أجيالهم، بل حتى على اختلاف أفرادهم! فلا تكاد تجد شاعرين يتفّقان على مزايا هذه القصيدة التي يريدان لها احتكار الحداثة الشعرية بمجملها. قد يحلو لنا، كأنصار قصيدة النثر، تجنّب كلّ سهام النقد والتنظير قائلين بدماثةٍ: «إنها قصيدةٌ تعيدُ رسمَ ملامحها كل يومٍ من جديد!»، وهذا القول المفرط بالرومنسية قد ينجح في حصد الإعجابات على فايسبوك. لكن، ألَم تأتِ الحداثة لتنقذنا من الغرق بالرومنسية أيضاً؟!.
* موسيقي وباحث فلسطيني
1) قد يرتئي البعض ترجمَتَهُ إلى: الشطر الحرّ.
2) حسين بن حمزة. «الأخبار»، 28/7/2015.
3) «النهار». 22 أيار 2006.
4) هذه الشواهد الثلاثة أتَت صدفةً على تفعيلة الكامل