إبراهيم، إسحاق، داوود، موسى، سارة، دانيال، راحيل، أسماء وأسماء... تتكرّر يومياً على ألسنتنا، نعيشُ معها، في أروقة أحيائنا، وبين مقاعد مدارسنا، نزاملها، نحدّثها، نمشي معها في ضواحي بيروت، وأروقة الجبل والجنوب، فهل فَكّرنا مرّةً أنها ليست أسماء مسيحيّة أو محمّدية أو درزية، فلماذا لا نُقاطعها؟ أو نتّهمُها بالتّطبيع؟ أو نحرق الهُويّات، ونجلد السّجلات اللبنانيّة المملوءة بأسماء وشخصيّات دينية واجتماعيّة قديمة وحديثة؟


وثمَّ... نَلهثُ لشراء بضائعَ أسماؤها مُبَطَّنة، من دون أن نَسأل مَن أَنتجها، وإلى أين ترفدُ أرباحُها، ومن يبيعُها إلينا بِعلب جميلة مُغرية، وإعلانات برّاقة؟
صديقي ريبال مُلاعب، أستاذنا الكبير جميل مُلاعب، سأرفعُ لكما القلبَ والعقل سلاماً.
كالصّاعقة، نزل عليّ خَبر إلغاء «مهرجانات ملاعب لموسيقى الحجرة والفنون الجميلة» التي بتنا ننتظرها موعداً دائماً يُرَقِّي سَمْعَنا ويُنسينا أنّنا ننتمي إلى وطنٍ يَستهلك الفن ويُبَدْوِنهُ، والإلغاء كان فقط لمجرد التباس حصل حول وُرود اسم أحد العازفين النّمساويين في البرنامج المُنتظر، مّما أثار قلق الوطنيّين، فسارعوا إلى رجم المهرجان وأصحابه قبل التّحقّق من الأمر. والمؤسف أنّه بعدما تَحقَّقَ المشكّكون، أوضح القيّمون على المهرجان أن العازف «بِنيامين» هو عازف نمساويّ، مسيحي النشأة، علمانيّ التّوجّه، يبلغ من العمر عشرين سنة، لا يتعاطى السّياسة، ولم يغادر قارّة أوروبا يوماً، وقد دخل الأراضي اللبنانيّة بطريقة شرعيّة عبر مطار رفيق الحريري الدّولي. ثُمّ أعربَ القيمون على المهرجان عن رغبتهم في إلغائهِ حرصاً على مشاعر ومخاوف بعض أبناء البلدة، مؤكّدين موقفهم الرّافض لأي شكل من أشكال التّطبيع، وهم عائلة مَعروفة بوطنيّتها وبأنها قدّمت للوطنِ شهيداً، وللفن عَلَمين، ومُتحفاً فَنِّياً وضع بيصور على خارطة الفن التّشكيلي المُعاصر.
فَعَلامَ تَسجيل المواقف الوهميّة، ولماذا رُفِعَت رماح دونكيخوت في وجه المهرجان؟ فهل كان على ريبال صاحب المهرجان أن يكتب قرب كل اسم من أسماء العازفين انتماءه الديني:
ريبال ملاعب (درزي من بيصور) (عازف فيولا)
ساري خليفة (مسيحي، ماروني من جبيل) (عازف تشللو)
تانيا سونس (كاثوليكيّة، من سلوفينيا) (عازفة فيولون)
بنيامين هرتزل (مسيحي - علماني من النّمسا) (عازف فيولون).
أعزائي، أيّها المطعونون بوطنيتكم وكرامتكم، هل تعرفون أن تسمية الأبناء بأسماء دينيّة واجتماعية ظاهرة مألوفة أيضاً في المجتمع الغربي؟ فهل كنتم لتوقفوا الحفل لو كان اسم العازف ابراهيم أو موسى مثلاً؟
أخي ريبال ملاعب، أتذكّر يومَ كان مُتحف جميل ملاعب هيكلاً عظميّاً لم تَسترْهُ جدران ولم تُجمِّله لوحات، جلسنا معاً على قرميد المتحف، يومها قلتَ لي إنّكَ تحلمُ بأن يكونَ لهذا الزّيز في ليل بيصور الصّامت رفيق جديد، ثمَّ كان حلم موسيقى الحجرة التي أسّستها وأنتَ العازف الشاب الذي انتقل منذُ ثماني سنوات للدراسة في النّمسا لا طعناً بوطنه بل لأن وطنَهُ الذي يُدجّنُ المواهب والنّسور أضيق من أن يتسع لجناحيه، ريبال الذي دار العالم بآلتهِ ظلّ وطنُه دُواراً يسكُنُ حلمَهُ لتأسيس مهرجان يضع بيصور على خارطة الموسيقى الكلاسيكيّة العالميّة، لأن ريبال، لم يشأ أن يكون نتاجَ محيطه ووطنهِ بل أن يكونَ وطنُهُ ومحيطه نتاجاً لموهبتِه، شأن كل فنان حقيقي.
ثماني حفلات على مدار سنتين، استضافت عازفين عالميّين من خمسَ عَشرةَ جنسية أوروبيّة صفقَ لها أهالي بيصور ولبنان..
عزيزي ريبال، قال أنطون سعاده في كتابه «الصّراع الفكري في الأدب السّوري»: «شَتَّان بينَ كَبوةِ الجياد، وعَثْرَةِ الأقلام، فالأولى تُردي فارسَها، أمّا الثَّانية فتُردي ثقافة مجتمع». وكَم أخجلتنا يا صاحبي تلكَ الأقلام التي أساءت وشكّكت، ولن يُنسينا هذا الخجل إلا موعدٌ جديد ننتظرهُ منكَ ومن رفاقكَ ليُعيد الاعتبار لنا وللفن ولوطنيّتنا، فلا تبقى زيزان بيصور تَصدحُ في ليلها وحيدة.
* شاعر ومسرحي