لطالما كانت هناك حرب اعلامية وتهديد بين حزب الله و«إسرائيل». منذ تسعينيات القرن الماضي وتلفزيون «المنار» وخلفه الاعلام الحربي لا يفوتان فرصة من دون بث فيديوهات في سياق الحرب النفسية والاعلامية ضد الكيان وجيشه. وقد برع حزب الله في هذا المجال وللسيد نصرالله حصة الاسد في قيادة هذه الحرب.


حتى بات المستوطنون يصدقون نصرالله لا قادتهم. لعل قمة هذه الحرب كانت في حرب تموز، وفي لحظة ضرب البارجة حانيت مقابل بيروت. في المقابل، لطالما سعت «اسرائيل» لاظهار نفسها بأنها الضحية، وأن العرب يعتدون عليها وأن حماس وحزب الله يقصفان «البلدات الاسرائيلية بالصواريخ» ويقتلان «مواطنين أبرياء» وأنّ «جيش الدفاع» يقوم بالدفاع عن أرضه ضد الاعتداءات.
لعبة الكراتين بدأت قبل اسبوعين، عندما وجه مقاومون من حزب الله رسائل عبر الكراتين للعدو الاسرائيلي، بأنّ معركة الجرود هي تحضير لمعركة الجليل، وأنّ معارك البادية هي تمرين لمعركة صحراء النقب. ردّ الاسرائيلي سريعاً، في أكبر مناورة له، على هذه الكراتين، عبر المتحدث باسمه للاعلام العربي، افيخاي ادرعي. إذ رفع الأخير كرتونة مكتوب عليها «إن تجرأتم فاجأناكم». وسرعان ما بدأت حملة السخرية من هذه الصورة. قام أحد الناشطين، نبيل نور الدين، بوضع عبارات مضحكة بدل عبارة افيخاي مثل «لا تلحقني مخطوبة» وغيرها انتشرت كالنار في الهشيم على وسائل التواصل.
وهنا كان الجدال بين كثيرين: هل نجح افيخاي في الوصول الى ما يريده بنشر صورته؟ أم أنّ جمهور المقاومة نجح في جعله أضحوكة؟


يتملّق المسلمين، ويعايدهم في يوم الجمعة

لننس قليلاً الكراتين، وننظر الى افعال افيخاي أخيراً. افيخاي ادرعي، الضابط برتبة عقيد في الجيش الاسرائيلي الذي قتل عشرات الآلاف وهجّر الملايين، يعمل جاهداً منذ فترة ليصل الينا ويتقرب منّا. ينشر دعاء الجمعة، ويهتم كثيراً باظهار علاقته الممتازة بالجنود المسلمين في الجيش الاسرائيلي.
في شهر رمضان 2016، نشر فيديو له يتحدث عن الافطار الصحي. تحدث عن الشوربة والتمر، ويا للفرحة، كان هناك جنود مسلمون يجلسون معه! لا يفوت فرصة تقربه من الوعي العربي الا ويستغلها. منذ يومين، نشر «الشيخ افيخاي» نشر صورة له عبارة عن هدية من أحد الحجاج (الله لا يتقبل) وغيرها من الصور والفيديوهات التي تتعلق بالمناسبات الاسلامية، حتى إنّه تمنى للمصلين في الاقصى صلاة مقبولة، بطريقة تجعل المشاهد ينساق معه ويعتبر أنّ عملية اطلاق النار على المحتل في الاقصى كان خطأً!
لم يعد افيخاي عدواً نخاف منه ومن تهديداته، بل يبدو أنه لم يعد يظهر أنه عدو. هو يبدو شخصاً لبقاً مسالماً، لا يتفوه بالشتائم لأعدائه، يحب المسلمين، يعايدهم بيوم الجمعة بأعيادهم، نتابعه على تويتر ونتحجج بأنّ الغرض هو فقط المتابعة. نبدأ بالتعليق، أي التخاطب المباشر معه، وهو جل ما يريده، هذا التخاطب المباشر هو «الاعتراف»، هذا التخاطب المباشر هو نسف لمقولة السيد نصرالله «تفاوض غير مباشر»، وهو نسف لموقف الشيخ راغب حرب «المصافحة اعتراف». وهو ما يريده الاسرائيلي، وسيرد بكل سرور على أي تعليق يختاره اذا كان يخدم غاياته. هذا هو التطبيع. ليس فقط بالمعاملات التجارية والسفارات. اسرائيل همها التطبيع مع الشعوب، لا الانظمة.
افيخاي ناجح في تلميع صورته، بتنا نستلطفه وننتظر ما سيكتب لنتفاعل معه. حملة جمهور المقاومة، التي بدأتها التنسيقية بنشر الصور كانت جيدة، لكن في المقابل هناك سقطة كبيرة وهي التفاعل المباشر مع أدرعي.
في تشرين الأول (أكتوبر) 2000، أسرت المقاومة الإسلامية ثلاثة جنود اسرائيليين في مزارع شبعا، وصادف في اليوم نفسه استشهاد فلسطينيين قرب بوابة رامية. بعد فترة قصيرة، كان الصحافي في جريدة «السفير» خليل حرب يغطي مؤتمراً عن البحر المتوسط في سلوفينيا. وكان في المؤتمر صحافيان اسرائيليان، اسم احدهما اساف بار سيلينغر. كتب حرب في «السفير» أنّهما حاولا التقرب منه والحديث المباشر، وظل يتجنبهما الى أن مدّ أحدهما يده مصافحاً. يكمل حرب: نظرت في وجهه لعل يديه قد قتلت احداً من الاحبة، ثم تذكرت مشهد الشابين الشهيدين في رامية، هل يعقل أن يصبح الدم رخيصاً وأمد يدي مصافحاً؟