أمس، انطلق عرض «يوميات توتة» في «مسرح المدينة» لنادين أبو زكي بالتعاون مع الراقص والكوريغراف العاجي جان بول ميهانسيو. تخوض نادين أبو زكي تجربتها المسرحية الأولى، لتضاف إلى المشاريع الفنية والكتابية التي قدّمتها في السابق.


رئيسة تحرير «مجلة الحسناء»، التي كتبت سنة 2015 مؤلفاً عن الناقد اللبناني الراحل نزيه أبو خاطر بعنوان «رجل المدينة الرهيب»، تعمل في النحت، كما أنها دخلت عالم الفنون التجهيزية والأدائية المعاصرة في عملها التفاعلي «الرجاء (عدم) اللمس» قبل أعوام.
تختبر أستاذة الفلسفة أدوات الفنية كافة لإيصال أفكارها. وفي «يوميات توتة» (كتابة وإخراج: نادين أبو زكي ــ مساعد مخرج وتصميم ملابس: بشارة عطالله) تجمع النص، والتمثيل، والرقص المعاصر (كوريغرافيا: جان بول ميهانسيو)، والإضاءة (علاء الميناوي) والموسيقى الحية التي يعزفها طوني عليّة مباشرة على المسرح (مؤثرات صوتية وغيتار). في النص الذي كتبته، تتخذ أبو زكي من الحرب الأهلية اللبنانية ــ رغم غياب هويتها الواضحة في العرض ـــ رمزية للممارسات المؤذية التي تحكم علاقة الإنسان بالطبيعة، من وجهة نظر بطلتها شجرة التوت (ضنا ميخائيل). تحضر هالة الشجرة الهندوسية المليئة بالأرواح، هي نفسها شجرة التوت التي تظلل أبطال الميثولوجيا الإغريقية والرومانية (قصيدة «التحولات» لأوفيد)، لتجعل من الشجرة الشاهدة على الحروب، وعلى القصص التي جمعتها أبو زكي من تجارب حقيقية لأناس في علاقتهم مع الشجر. منذ البداية، تحسم أبو زكي ثنائية الخير والشر، وقطبيهما، ما يحدد مسار العمل وينتقص من الشحن والتوتر فيه. على الخشبة جذع شجرة ضخم. أمامه يتمدّد جسد ميهانسيو قبل أن يقف ويبدأ بالمواجهة بأطرافه.


تحضر هالة الشجرة الهندوسية
المليئة بالأرواح، وأبطال الميثولوجيا الإغريقية والرومانية
هناك ما يلوي جسده، وما يدفعه إلى الارتماء على الأرض، ثم القيام مجدداً عبر قفزات أفريقية. يدخل البشر من كل صوب، شباب ورجال وأطفال ونساء. تذوب حركة الراقص، قبل أن تختفي نهائياً من الخشبة، التي ما إن وطئها البشر حتى سقطوا عليها مجدداً. بهذه المشهدية الحركية البصرية، يبدأ العرض، برفقة الإضاءة اللافتة لعلاء الميناوي. يتخذ العمل خطين زمنيين ومكانيين مختلفين بين ما هو مكشوف وما هو محجوب. بين عالم الشجر اللامتناهي وعالم البشر الذي تقوده سلسلة محكمة من الموت ثم الحياة ثم الموت ثم الحياة وثم الموت. شجرة التوت هي صلة الوصل بين العالمين. تستعيد بالعربية الفصحى قصص من مروا بجانبها، بينما تؤدي علاقتها مع شجرة الزنزلخت. لكن كلام شجرة التوت يقع أحياناً في مطبات خطابية بلاغية، حين تتكلم عن عناصر الماء والهواء والتراب، عن مقدراتها التي تفوق البشر، عبر نص بقي عالقاً في المكتوب ولم يصل إلى الشفوي. يستدعي حديث الشجرة بعض المشاهد المتقطعة والفلاش باك للناس الذين يتهاوون، ويحتمون بها، ويُقتلون ولنساء يرتدين الأسود وينادين أسماء من فقدن من أقربائهن وأحبائهن. أما المشاهد الأخرى، فتخص أم حليم (رويدا الغالي) التي تأتي لتكمل السرد بالعامية، وتتحاور مع شجرة التوت. مشاهد كهذه، أسهمت أحياناً في تشتيت البناء الدرامي الذي نال منه المنحى المباشر للدلالة إلى الواقع، كما حين يصحّح الأب لابنه طريقة إمساك المنشار قبل أن يقطع الشجرة. انعكس هذا بشكل واضح على الرؤية الإخراجية بشكل عام، ما عمّق الانفصال بين مناخي العرض بشكل جذري، وليس بما يخدم العرض. هكذا استمعنا إلى القصص الريفية لأم حليم مع أبو حليم، وليلة زواجهما، وعلاقة ابنها حليم مع ليلى قبل أن «يخطئ معها رجل آخر ويتركها». أطلقت أم حليم على شجرتي دارها، اسمي بيراموس وتيسبي، في دلالة على أسطورة العاشقين التي ألهمت «روميو وجولييت» لشيكسبير. تستثمر أبو زكي الأسطورة في أمكنة عدّة من عرضها، منها علاقة حليم وليلى تحت شجرة التوت، وهي قصّة فرعية، ثم في العلاقة بين الشجرتين نفسيهما. الرقص جزء أساسي من العرض، هو اللغة التي تتواصل فيها الشجرتان، تعبران فيها عن الحب والموت. يرقص الراقصان، لينتقلا بنا إلى عالم آخر، العالم المخفي أي الغائب، لكنه وفق طرح أبو زكي، هو العالم الأكثر حضوراً وصلابة والأطول بقاء. إنه الأعلى حيث تعلق جذور الشجرة المنقلبة في السماء، كما تردد شجرة التوت نفسها.

«يوميات توتة»: 20:30 مساء اليوم والغد ــ «مسرح المدينة» (الحمرا ـ بيروت). للاستعلام: 01/753010.