أول من أمس، انطفأ الكاتب والمثقف والمناضل الفلسطيني محمد كامل خشان (1934 ــ 2017)، والد الزميل عماد خشان في لبنان. ابن قرية سحماتا في الجليل، ظلّت حاضرة في وجدانه وكتاباته وذكرياته حتى النفس الأخير. قبل ساعات من وفاته، كتب على صفحته الفايسبوكية مودّعاً المدن الأثيرة على قلبه على مدى سبعين عاماً من الغربة. شكرَ لبيروت «ففيها تعلمت وسكنت ولا أزال.

شكراً لست الدنيا، وآمل أن تعود وستعود رائدة في علمها وثقافتها ومسارحها ومستشفياتها وجامعاتها وصحافتها وحريتها ورقي أهلها»، و«زحلة التي تعلمت فيها وعشت فيها سنتين، هي مدينة الذوق والأناقة والأدب، سقا الله أيام الخمسينيات». ولم ينس بعلبك وأهاليها «ومواساتهم لي في موت والدي ووالدتي وزوجتي، ولبعلبك دين في عنقي، فهي مدينة الكرامة والكرم والوفاء». ودّع خشان المدن والعواصم، لكن «وحدها فلسطين لا أقول لها وداعاً بل الى اللقاء». وشكر «كل ابنة وكل ولد من اولادي لاني بكم اتوسم النصر وأرى الخير وأمشي معكم في درب عودتنا الى ديارنا». الكاتب الذي صلى على جثمانه أمس الأحد في «مسجد مخيم الجليل» في بعلبك قبل أن يوارى الثرى في مدفن المقاصد، حمل فلسطينه في قلبه أينما حلّ.

أفنى عمره وهو ينشئ ويعلّم أجيالاً فلسطينية، تاركاً العديد من المؤلفات عنها كشاهد على النكبة كـ «سلام على البقيعة»، «ذكرياتي عن ترشيحا»، «رحلات»، آخرها كتاب «العودة إلى جليل المسيح» الذي يصدر في الاسبوع الحالي عن «دار كيكا للنشر». «الأخبار» تتقدّم بالتعازي لأسرة الكاتب الراحل، وتنشر هنا مقدمة الكتاب الذي يعود فيه خشان إلى المنبع الاول، إلى مطارح الذكريات الأولى، إلى الملعب الأول والجرح الأول... إلى سحاماتا التي تشكل «مركز الكون، في وعي ما بعد النكبة، وتظهر كأنها المرجعية لكل ما مرّ ورأى وجرب وعرف خشَّان الذي ينتمي إلى جيل النكبة الأوَّل الثقافي» على حد تعبير الكاتب الفلسطيني أسامة العيسة.


يستعيد الأستاذ محمد كامل خشَّان، في فصول مذكراته، حياة كاملة، في الجليل الذي كان يستعد للخروج من سباته، بعد عهود موات ثقيلة خلال أكثر من أربعمائة عام؛ احتلال يولد احتلالاً، ولكنه وجد نفسه يسقط مجدداً في قبضة احتلال جديد قاس.
وخشّان، وهو يفعل ذلك يستعيد وطناً، نأى بعيداً عنه، وقربه النأي منه أكثر، في سيرة متفردة، فالكاتب لا يأتي من رحم المقاومات المتعاقبة، كما رأينا في مذكرات غيره، وليس عليه أن يوزع صكوك اتهامات أو براءات أو يدعي بطولات، أو من أوساط النخب التقليدية، همه تأكيد إرث ديني، أو موقع ارستقراطي، ولكنه واحد من أغلبية الفلسطينيين الذين خُنقت أصواتهم، أو لم تمنحهم مغالبة الحياة، فرصة لالتقاط الصوت.
كفلسطيني نموذجي، تكون قريته مركز الكون، في وعي ما بعد النكبة، وتظهر سحماتا، كأنها المرجعية لكل ما مر ورأى وجرب وعرف خشَّان الذي ينتمي إلى جيل النكبة الأوَّل الثقافي، فيطوف مع القارئ على أسماء النخب الفلسطينية من كتاب وتربويين صنعوا وعيه ووعي مجايليه، ولكنه لا يكتفي بالاعتماد على الذاكرة، فيعيد حكاياتهم إلى ما خطوه بأقلامهم.


يكتب عن فلسطينه، لكل لاجئ فلسطينه الخاصة، ولكن بدون بكائيات

تختفي خلف كلمات المؤلف غصة وحزن عميقان، لكنه يبرع في عدم إظهارهما بشكلٍ فج، حتى وهو يبدي ذلك صراحة تجاه مواقف في حرب فلسطين، كدور جيش الإنقاذ، أو الجيوش العربية الأخرى. يتمتع خشَّان بروحٍ مرحة، وحس عالٍ بالسخرية، وفي معظمها سخرية مُرَّة، ولكن لا يجعل سوادها يستمر إلا لحيظات، فيعود ليمسك بيد أنيسه القارئ، في رحلته التي طالت، مثل شتات الفلسطينيين، أكثر من اللازم.
يكتب خشّان عن فلسطينه، لكل لاجئ فلسطينه الخاصة، ولكن بدون بكائيات، وليست لديه، وهو يقتفي رحلة حياة، أية أحقاد، أو حسابات مؤجلة، وحان تصفيتها، يمضي في الحياة بروح صوفي، وثقابة حكيم، ووجع زيتوني داخلي، وكأنه يقف أمام العالم وحيداً، ليقول ها أنا، لم تشوهني النكبات، بقدر ما جلل العالم جليله - فلسطينه بها، متفرجاً ومشاركاً في صنعها. يحتفي بالصداقة والنَّاس والرفقة، دون شروط، ويستذكر بدون رتوش تفاصيل تلك الحياة التي لن تعود، في الجليل، جليل المسيح، والأساطير، والأنبياء، والأولياء، والبطولات الفردية، والأشجار، والنباتات، والحجارة، فيصبح شاهداً، وشهيداً لعشقه، ولكن ليس قبل أن ينثر ذلك الجليل، تفاصيل حياة وموت يتجددان، كما حدث منذ أن دجّن أوّل إنسان النار في مغارة جليلية.
خشان يُدجن الألم، وينفخ روحاً في نسغ الأمل!

* كاتب فلسطيني مؤلف رواية «مجانين بيت لحم» (الفائزة بجائزة الشيخ زايد للآداب). النص هو مقدمة كتاب «العودة الى جليل المسيح» للراحل محمد خشان التي تصدر هذا الأسبوع عن «دار كيكا للنشر»