مهما حاولنا أن نفهم، نحن الذين نعيش بعيداً عن مركز الجرح في قلب فلسطين التاريخيّة… وأيّاً كان التصاقنا بالتجربة الفلسطينيّة، وإلمامنا بأبعادها التاريخيّة والسياسيّة، الإنسانيّة والنضاليّة، منذ ما قبل النكبة، أي منذ «وعد بلفور» 1917، وثورة 1929، وثورة 1936… مهما بلغت درجة انخراطنا إلى جانب قضيّة الشعب الفلسطيني، على امتداد البلاد الممزّقة، بين سلطات واحتلالات، وعبر المنافي وبلدان الشتات.


نتحدّث طبعاً عن الانخراط الفعلي والصادق، لا اللفظي، الأجوف، المفرّغ من معناه، حسب الموضة الرائجة اليوم في بعض الأوساط الثقافيّة والإعلاميّة والسياسيّة… مهما كانت إحاطتنا بالأبعاد الوجوديّة والثقافيّة للقضيّة المركزيّة، واطّلاعنا على فصول المأساة كما عاشها أهلها، عبر الكتب والأفلام والمراجع والوثائق والشهادات الحيّة وروايات الأصدقاء والصديقات… مهما حاولنا أن نفهم، فإن شيئاً ما، سيبقى يفلت منّا. لن نلتقطَ تماماً، ما دمنا لم نعشها، تلك الحالة الغربية التي هي أن تكون فلسطينيّاً ولد وبقي خلف الخط الأخضر.
نحن المقيمين خارج الجرح، يمكننا كحدّ أقصى أن نبذل جهداً ذهنيّاً، لنتمثّل ما معنى أن تترعرع وتعيش كفلسطيني في «إسرائيل». أن تنشأ وتدرس وتعمل في «دولة» بنيت على أنقاض وطنك، وسرقت أرضك وحقوقك، فصارت ـــ بالنسبة إلى ما يعرف بـ «العالم الحرّ» ـــ «واحة الديمقراطيّة والحضارة» في الشرق «المتخلّف». وإذا بك تنطق بلغتها وتخضع لقوانينها، وتدرس في جامعاتها، وتعتمد مرغماً بعض مرجعيّاتها. نحاول أن نفهم، ونظنّ أننا فَهِمْنا، لكنّ فهْمَنا سيبقى ناقصاً لأننا لم نعش تلك الحالة من داخل. إنّها حالة استثنائيّة في التاريخ الحديث، أن تكون فلسطينياً من الـ 48 كما نقول اختزالاً، «مواطناً» من الدرجة الثانية في الكيان الغاصب، في دولة قامت على مذبحة متواصلة بحق شعبك، وأن تتمكّن في الوقت نفسه، عبر تفاصيل الحياة اليوميّة، في صحوك ورقادك، وفي كل مرحلة من مراحل حياتك، من المحافظة على وعيك وهويّتك وثقافتك وذاكرتك ولغتك وإيمانك بشرعيّة قضيّتك، وقدرتك على المقاومة بمختلف الأشكال من أجل استعادة حقوقك. حقوقك التي تواطأ عليها العالم أجمع. أن تبقى في بلدك، معزولاً عن البيئة العربيّة الواسعة، ممنوعاً من التواصل معها، مؤبلساً حتّى من بعض غلاة «الوطنيّة» العرب الذين لا يفرّقون بين الضحيّة والجلاد (علماً أن التصدّي لكل أشكال التطبيع الثقافي وأنسنة العدوّ أولويّة مطلقة، ولا بدّ من التنبّه لكل الحالات الملتبسة والفخاخ المموّهة خلف ستار «التضامن مع فلسطين»). إنّها لحالة عجائبيّة حقّاً، أن تبقى أنت أنت، رغم كل الأهوال والمشقّات والتحديات والإغراءات ومحاولات التغريب: العربي، الفلسطيني الذي لا يهادن ولا يتنازل، ولا يمكن تدجينه أو احتواؤه أو إخضاعه.
محمد بكري نموذج هذا الفلسطيني. وتلك أهميّة وجوده بيننا في بيروت. وهذا يفسّر حجم الفرحة، وزخم الحفاوة، وضخامة الاحتفال. ننتظره هنا منذ سنوات، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة. في هذه المناسبة الاستثنائيّة، يراودنا شعور غريب بأننا ارتكبنا خرقاً لبعض «قوانين الطبيعة»، أو أننا نشهد اختراقاً ملحميّاً لمسافات وحواجز، مع أن هذا الفنّان الذي يحمل على ظهره، مثل سيزيف، هويّته المشلّعة، هو هنا في بيته. إن الفنّان الملتزم، ابن قرية البعنة الجليليّة التي تبعد أقل من ساعتين عن لبنان، هو هنا بين أهله، في حضرة جمهور يعرفه ويحبّه، ويتابع أعماله ومعاركه من «جنين جنين» الذي صوّر بعد اجتياح المخيّم… إلى «اليرموك» فيلمه القصير الذي أقام الدنيا ولم يقعدها على فايسبوك، لأنّه يمتلك شجاعة تحميل عرب الانحطاط والظلاميّة مسؤوليّة المجزرة العظمى بحق السوريين والفلسطينيين.
كثيرون بيننا اكتشفوا محمد بكري من خلال السينما الغربيّة، ممثلاً شاباً، يمتلك حضوراً آسراً، وموهبة أكيدة، في فيلم كوستا غافراس الشهير «هانا ك.». ذلك «الفلسطيني» الذي يخوض مواجهة شرسة لاستعادة بيته المحتل من الصهاينة، سيصبح أيقونة المرحلة، ويؤثر في وعي جمهور واسع في أوروبا، قبل أن تتقاعس شريحة أساسيّة من النخب التقدميّة في فرنسا وغيرها، عن دعم قضايانا تحت وطأة ضغوط وبفعل إغراءات مختلفة. محمد الآتي من المسرح، برز في أفلام عدّة لميشيل خليفي ورشيد مشهراوي… وشارك أخيراً مع آن ماري جاسر في «واجب» (يتقاسم البطولة مع ابنه صالح بكري) الذي عُرض في «لوكارنو» ورُشّح لـ «الأوسكار». وحقّق أفلامه الخاصة التي ستتيح هذه الاحتفاليّة للجمهور فرصة مشاهدتها في بيروت، وأشهرها «جنين جنين» الذي هزّ الكنيست الاسرائيلي، تماماً مثل قصيدة محمود درويش «عابرون في هواء عابر» قبله بعقود. وكان الفيلم الذي يوثّق للمجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال العام 2002، عنوان معركة ضارية، لم تنته فصولها بعد، بين محمد بكري والاستابليشمنت العسكري في دولة الاحتلال. وما زال محمد يحلم بتجسيد محمود درويش وغسان كنفاني على الشاشة. لكنّه لم يقطع الصلة بحبّه الأوّل، هو الذي بدأ مسيرته الفنيّة على الخشبة في حيفا، وشارك في أعمال لسعد الله ونّوس ومحمد الماغوط وسلاموفير مروجيك وجورج شحادة وعبد الغفار مكاوي…
كنّا نقرأ في الثمانينيات عن نهضة المسرح الفلسطيني في الداخل، ويتردد اسم محمد بكري إلى جانب أسماء أخرى مثل يوسف أبو وردة، ومكرم خوري، وسليم ضو… قبل أن يتاح لنا اكتشاف هذه التجارب المميّزة في مهرجانات مسرحيّة عربيّة بين تونس والقاهرة وعمّان. ولعل ذروة تجربة محمد بكري المسرحيّة، تبقى حتّى اليوم مسرحيّة «المتشائل» التي سنشاهدها أيضاً في بيروت، ضمن هذا البرنامج. بدأت المغامرة في العام ١٩٨٦، حين اشتغل مع المخرج الفلسطيني مازن الغطاس على تحويل رائعة إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» إلى مونودراما، باتت اليوم كلاسيكيّة مثل الأصل الأدبي. وقد قدّمت على خشبات العالم بشكل متواصل طوال العقود الثلاثة الماضية. وكما أن الرواية الشهيرة اختزنت بأسلوبها الفريد مأساة شعب، فإن المونودراما التي يجول بها محمّد كالتروبادور بين مدن العالم، تواصل حمل المعاناة الفلسطينيّة إلى العالم. كي لا تنطفئ جذوة الأمل. كي تبقى البوصلة فلسطين.
اليوم، وفي انتظار أن يسمح التحرير الكامل بفتح الطريق على مصراعيها بين بيروت وحيفا في الاتجاهين، نحتضن محمد بكري باعتزاز في بيروت، بمبادرة من جمعيّة «أساس للثقافة والفنون»، ومن خلال شراكة بين صرح ثقافي عريق هو «مسرح المدينة»، ومركز فنّي وثقافي هو «دار النمر»، أراده مؤسسه «هديّة فلسطين إلى لبنان»، وجريدة ترفع لواء المقاومة والتقدّم هي جريدة «الأخبار». إن الثقافة أداة مقاومة بامتياز، عند هذا المنعطف الحاسم الذي تعيشه شعوبنا. والتواشج بين لبنان وفلسطين هو من أساسات هذه المقاومة.