لا شيء يشبه تجربة رائد أنضوني (رام الله ــ 1967) في فيلمه «اصطياد أشباح» (94 د ـــ 2017) الذي طرح أخيراً في «متروبوليس أمبير صوفيل». إنها إعادة لإعادة التجربة، قد تبدو الكلمات خلبية هنا بعض الشيء؛ لكن من يعرف قصة الفيلم، يفهم تماماً ما الذي نقصده.


عبر روايته لحكاية أَسره مع مجموعة من الفلسطينيين الآخرين، يحاول أنضوني أن يخلق «عالماً» جديداً. تقارب الحكاية لا قصة ما قبل الأسر في سجون الاحتلال الصهيوني، أو حكاية ما بعده؛ بل الأسر بحد ذاته: التجربة المعاشة بشكلٍ يومي داخل السجن وكيفية تحويلها من مجرّد خيالاتٍ إلى قصةٍ واقعية. تطلّب هذا الموضوع بناء «سجن» حقيقي لا من الإسمنت المسلح والحديد الصلب، لكن من الخشب والمسامير والبراغي المعدنية، مع كل تفاصيله، من خلال أشخاصٍ حرفيين هم الأسرى أنفسهم. إنها تجربة «خلق» البيئة الأصلية ذاتها، التجربة التي تخلق بيئةً جديدة غير مطروقة من قبل. لهذا لربما حاز الفيلم جوائز كثيرة آخرها جائزة أفضل سيناريو ضمن مهرجان «أوروبا الشرق للفيلم الوثائقي» في طنجة أول من أمس.
«أخوي ياسر حطوه بزنزانة كلها سفنج، الحيطان سفنج والأرضية سفنج عشان ما يؤذي حاله»؛ يتلو أحد الأسرى بحرقةٍ حكاية شقيقه، الذي اعتقل أيضاً في السجن نفسه، حيث جرّب الانتحار لأن التجربة كانت «شديدة القسوة» عليه. إنها الحكاية التي تتسلّل الكاميرا كي توصلها، الحكاية نفسها التي سيقول هذا الشخص بأنّها أراحته حين حكاها. حتى إنه خرج مع أطفاله في اليوم التالي إلى مدينة الملاهي بفرح شديد جعل زوجته تسأله: «شو مالك اليوم؟» ليجيبها بأنه «مبسوط بلاعب الولاد». هذه النقطة شديدة البديهية توحي بأهمية أن يخرج الأسرى ما بداخلهم من تلك «الأزمة» النفسية التي عاشوها داخل سجون الاحتلال. إذ ينسى الجميع أنَّ هؤلاء الأسرى مروا بتجربة عصيبة (Trauma)، مما يجعلهم عرضةً لأمراضٍ نفسية - جسدية (psychosomatic). يتعامل الجميع معهم ببطولةٍ كما لو أنّهم ليسوا بشراً لديهم مشاعر عادية وحساسة، يمكن أن تكون قد تعرضت لأذى وتهشيم كبيرين. يوضح الفيلم هذه القضية.


يقاوم الأسرى بالغناء
معاً حتى وهم معصوبو العينين، أو رؤوسهم مغطّاة بكيسٍ من القماش


يرينا الشخصيات داخل البيئة الأصلية للسجن. يجلسون داخل الزنازين، يتعرضون للتعذيب (نعم هناك تعذيب حقيقي في الفيلم، يتعرض له الممثلون/ الأسرى). لا بل إنه حتى في لحظةٍ ما، ينام الممثلون داخل الزنازين كي يدخلوا أكثر في الجو. كل هذه التفاصيل قلّما نجدها في فيلمٍ آخر من حيث طريقة تقديم صورة خاصة عما يحدث داخل زنازين الاحتلال. إنها حالة التعذيب التي تتعدى مرحلة التعذيب الجسدي بكثير. من مرحلة «التخويف» من الاغتصاب والاعتداء الجنسي ــ أمران يتفنن المحققون الصهاينة في لعبهما ــ إلى مرحلة الضغط النفسي المباشر على الأسير: كأن يعطى له مثلاً طعاماً كناية عن فول مدمس مع مربى، ثم يصب له الشاي فوقهما في الصحن نفسه؛ أو حين يعطى سجائر من دون عود ثقاب ليشعل تلك السجائر التي كان يطلبها كل الوقت. إنها مرحلة «كسر» العظم المتوحشة؛ لكنها كالعادة ليست من طرفٍ واحد: يبدأ الأسرى بالغناء معاً، أغنياتٍ فلسطينية تقليدية، وقد تكون حتى أغنياتٍ عربيةٍ شهيرة، يلاحقهم السجّان، يضربهم، يعاقبهم، لكن لا فائدة، حتى وهم معصوبو العينين، أو رؤوسهم مغطّاة بكيسٍ من القماش: يقاومون. تظل أصواتُ الغناء تصدح من الواحد تلو الآخر. «بدي أمنكرلك إمك» (بمعنى أريد أن أضع طلاء أظافر لوالدتك) هكذا قال أحد الأسرى (غسان من الخليل) لأحد معذّبيه الصهاينة. يضحك الأسير راوي الحكاية، ليقول بأنّ غسان كان يحوّل كل شيء إلى مسرحية وضحكة، ولو كان ضرباً وتعذيباً، موضحاً أنَّ هذه أكبر «إهانة» يمكن أن تقال لسجّان أو لأحد. كانت هذه طريقته في التغلّب على الأسر والسجان في آنٍ. «المسخرة سلاح» يخبر أحد الأسرى الكاميرا بشكلٍ مباشر، «بشوفها دايماً قوة». مشهدٌ آخر يوضح قوّة الفيلم وقسوته في آنٍ، حين يجلس مخرج الفيلم الذي يؤدي دوراً أيضاً فيه مع أحد الأسرى الذي يسأله بقسوة: «إنت عامل هالمشروع تتجرب تعيش تجربة جديدة على جلدنا؟». السؤال الأكثر توقعاً يقوله فجأة أحد أبطال الفيلم. كثيرٌ منا يسأل: لماذا يقوم هذا المخرج أو ذاك بتصوير معاناة الآخرين؟ هل يقوم بها بغرض اكتساب الشهرة؟ أم أنه لعرض تلك المظالم كي يعرف بشأنها العالم؟ هذه المرّة واجه أنضوني الفكرة بمباشرةٍ بالغة. «بتزعل إذا ضربتك؟» كانت هذه إجابة أنضوني المباشرة، لا بل إنه ضربه أيضاً. لاحقاً يقول المخرج الفلسطيني في معرض شرحه عن ذلك: «هو ضغط علي في لحظة ضعف، وسألني سؤالاً مهيناً. لم أجد نفسي إلا وأنا أفعل ذلك. بعد ذلك أرضيته: قلت له أريد أن أعيد مشهد اعتقالي مرةً أخرى، وفي ذلك المشهد كما تلاحظون في الفيلم، يضربني هو ـ كمحقق- بعنفٍ شديد».

ليس في الأمر شكٌ بأن الفيلم كما التجربة التي يرويها قاسية للغاية. هي ليست تجربة المعاش، «لكننا نحاول أن نخلق من تجربةٍ مماثلة أمراً آخر، أن نستذكرها بطريقةٍ مختلفة. أن يقوم مجموعة من الأسرى السابقين ببناء سجنٍ وذكرياته، ويضحكوا على الأمر بل يسمحوا لأبنائهم بزيارة السجن. هذا إنجاز كبير» يشير أنضوني.
تقنياً، هناك نقاش كبير حول طريقة العمل، ولأي شريحة عمرية يتوجّه الشريط. هناك اولاً طبيعة الكاميرا والأجواء، والممثلون الهواة غير المحترفين (ليس هناك سوى ممثل محترف واحد هو رمزي مقدسي الذي كان أسيراً أيضاً). النقطة الثانية هي طريقة استعمال الكاميرا التي بدت واقعية مئة في المئة، لكن هذا النوع من الأفلام ليس كثيراً في بلادنا إلا باقترابه من الفيلم «التوثيقي» (ليس وثائقياً) أو حتى الدوكودراما (docudrama)، لكننا أيضاً لسنا أمام تجربةٍ مشابهة. إنها تجربة أكثر تعقيداً، ربما تفتح أبواباً جديدة للسينما العربية في تقديم هذا النوع من الأفلام المختلف. نحن لا نتحدث فقط عن أبطالٍ يحكون قصصهم السابقة، أو حتى يزورون أماكن حصلت بها معاركهم وانتصاراتهم أو حتى هزائمهم. إننا نجعلهم «يبنون» المكان الذي حدث به ذلك، يشاركون في بنائه بأيديهم، يعيشون بداخله، وفوق كل هذا يمرون بالتجارب العصيبة ذاتها مرةً أخرى. هذا هو الجديد الذي قدّمه أنضوني بالتأكيد. أما لمن يتوجّه الفيلم، فنحن أمام فيلم للكبار فقط، ذلك أنَّ الأجيال الصغيرة أو تلك التي لا تستهويها السينما، قد تعاني في فهم «هيكيلية» الفيلم وتركيبته، وخصوصاً نظام تقطيع المشاهد بداخله: في لحظة، نكون داخل القصة المروية. فجأة نعود إلى تفسير يقوله أحد الأسرى، ثم نعود للتصوير، ثم نذهب إلى البنائين الذين يعملون في صناعة جدران السجن. هذا التقطيع الفجائي أراده أنضوني ـ ربما- واقعياً حد الفجاجة. وهذا محبّذ في تصوير أمرٍ بهذه المباشرة، لكن تأثيره السلبي هو في «الثقل» الذي يسببه لمشاهدٍ أصغر سناً أو أقل مراساً أمام الشاشة.

«اصطياد أشباح» لرائد أنضوني ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الاشرفية ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/332661