استضافة المخرج والممثل الفلسطيني الكبير محمد بكري في بيروت (الأخبار 23/9/2017)، أثارت حفيظة إسرائيل. أثار حفيظتها أكثر، حديثه لصحيفة «الأخبار» «المعادية» وتأكيده لها بأنّ «فعل التطبيع مع العدو الصهيوني هو خيانة، والنقاش حول هذه المسألة مشين ومرفوض جملة وتفصيلاً».

كلام بكري، ابن فلسطين المحتلة ومن سكانها (أراضي عام 1948) كان تعبيراً طبيعياً ومتوقعاً، من فنان فلسطيني وجد نفسه في مكان وزمان، قادر فيه على التعبير عن حالة الاشمئزاز المحفورة في الوعي الجمعي للفلسطينيين، تجاه فعل التطبيع العربي، أفراداً وحكومات، في موازاة عنصرية إسرائيل وافعالها تجاه الفلسطينيين.

أفعال تمنع وتحرم تطبيع الفلسطيني مع ذاته وهويته الرافضة للأسرلة، والتي إن رضخ الفلسطينيون أمامها، فجل ما سيحققونه، أن عليهم ما على الاسرائيليين، بل وأكثر، وليس لهم ما للاسرائيليين.
مواقف بكري اثارت سريعاً، كما كان متوقعاً، ردات فعل اسرائيلية، داعية إلى التصدي له واعتقاله و«تجريمه» بل وايضاً إعدامه، فور عودته إلى فلسطين. وللمفارقة، برسم اللبنانيين، بتهمة التطبيع وزيارة دولة عدوة! وإضافة إلى التغطية العبرية التحريضية الواسعة، سارعت وزيرة «الثقافة» في الحكومة الاسرائيلية، ميري ريغيف، المعروفة بمواقفها وافعالها العنصرية، لتطلب من النائب العام الإسرائيلي فتح تحقيق جنائي ضد بكري، بسبب زيارته دولة عدوة وتحريضه ضد إسرائيل. وأضافت ريغيف في دعوتها: «أريد فتح تحقيق فور عودته إلى إسرائيل، لأن الامتناع عن رد حازم من قبل سلطات القانون، يضفي شرعية على هذه الأنشطة، التي لا يجب أن نسمح بها».
حرص ريغيف على اثارة الموضوع قضائياً، والمسارعة اليه، يعود إلى حرصها على أن تكون اول شخصية سياسية تتصدى لبكري، مما يؤمن لها رصيداً اضافياً لأفعالها ومواقفها العنصرية لدى الجمهور اليميني الذي تنتمي إليه، فيما تحاول في الموازاة، ترهيب بكري ودفعه للامتناع عن العودة إلى وطنه. ولاقى ريغيف، للهدف نفسه، عضو الكنيست عن حزب الليكود أورن حزان، مطالباً بـ«وضع نهاية للتسيب»، وقال في تغريدة على تويتر: «انا في طريقي الى الشرطة الاسرائيلي رفع دعوى ضد محمد بكري بسبب خيانته لدولة اسرائيل وبسبب علاقته مع حزب الله. وهي جرائم بحسب القانون، عقوبتها الإعدام».


الوزيرة الصهيونية ميري ريغيف طلبت فتح تحقيق جنائي ضد بكري

إلا أن هذا الترهيب، لم يجد طريقه الى بكري. إذ عبّر في اتصال مع موقع القناة الثانية العبرية على الانترنت، عن موقف حازم وثابت ورافض للتهديدات، قائلاً: «ريغيف امرأة غير مسؤولة وتتحدث فقط بالشعارات»، وأضاف: «لا أؤمن بأي كلمة تخرج من فمها ولا آخذها على محمل الجد». وأضاف أيضاً بكلمات تؤكد ثباته وحزمه وعدم خشيته من الاعتقال: «أخشى فقط من الله، وليس من الإسرائيليين، وليس من الحكومة الإسرائيلية، وبالطبع ليس من ريغف». وفي اتصال آخر مع قناة «كان» العبرية، رفض بكري توصيف لبنان بالدولة العدوة، قائلاً: «لا اعتبر لبنان دولة معادية، لبنان هو عائلتي. يمكنهم استجوابي قدر ما يريدون، فزيارة عائلتي ليست جريمة في نظري».
وكان موقع «واللا» العبري، حادَث بكري قبل تصريحات ريغف، سائلاً عن مواقفه الصادرة من بيروت ضد التطبيع مع إسرائيل، فنوّه بكري أنّه تحدث عن أمور أكثر أهمية وأعمق، و«أنا أجبت بعناية على جميع الاسئلة وخاصة ما يتعلق بعملي في المسرح والسينما». وأضاف: «أما لجهة الصراع العربي مع إسرائيل، فأجبت أنه ممنوع على الفنانين العرب خارج إسرائيل التعاون مع إسرائيل، طالما أنها تحتل شعباً آخر، وتحرم الفلسطينيين من حقوقهم. أنا لم أشمل نفسي، لأني أعيش في إسرائيل لا خارجها. لكن لو كنت أعيش في مخيم لاجئين في لبنان، فطبيعي أن لا أتعاون مع دولة أنا بسببها مشرد ومحروم من حقوقي الأساسية».
وبكري، الذي بدأ معركته منذ الآن في وجه القضاء والمحاكم الإسرائيلية وما ينتظره فور عودته إلى فلسطين المحتلة، أشار في حديث إلى موقع «يديعوت احرونوت»، إلى أن السؤال والجواب ــ كما ورد في الإعلام اللبناني ــ جاء في سياق أسئلة وجهت إليه حول الموقف من مخرج لبناني زار إسرائيل وعمل فيها. رداً على هذا السؤال، أجاب أنه «بالنسبة لي، لبناني يعمل مع الكيان الصهيوني هو خيانة. حديثي لم يكن يتعلق بالفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل، بل أولئك الذين يعيشون في لبنان». وأضاف رداً على سؤال الموقع حول الفرق بينه وبين من يعيش في لبنان: «هو لديه خيار آخر. هذا الفرق بين وبينه، أما أنا فأعيش في إسرائيل، وأصنع أفلاماً في إسرائيل».
ينتظر بكري مساراً طويلاً من المضايقات الاسرائيلية، بعد عودته الى فلسطين المحتلة، وربما ايضاً اعتقاله و«تجريمه». انتقام إسرائيل من بكري، لن يكون فقط على خلفية تصريحاته في لبنان، وإن كانت مطلوبة لذاتها بهدف ردع فلسطينيي الداخل حتى عن الإدلاء بآرائهم. بل ستكون أيضاً انتقاماً لأعماله الفنية السابقة، التي تركت جرحاً في ذاكرة الإسرائيليين وكشفت ممارستهم الوحشية، وتحديداً الفيلم الوثائقي «جنين جنين» الذي أخرجه بكري عام 2002، ووثق فيه مجازر جيش الاحتلال في مخيم جنين للاجئين، خلال عملية «السور الواقي» وإعادة احتلال مدن ومخيمات الضفة الغربية.
والانتقام بمفعول رجعي، واضح جداً في حديث نائب وزير الإسكان الاسرائيلي، جاكي ليفي، الذي شدد أمس على أنّ «محمد بكري، يكشف، مرة أخرى، وجهه الحقيقي المؤيد للإرهاب»، مضيفاً أنّ «الخائن الحقيقي في هذه القصة، هو محمد بكري نفسه، الذي يدعو الدول العربية إلى عدم إقامة علاقات معنا، ويصف ذلك بالخيانة».