لعبة خداع محكمة، مارستها قناة «فرانس 24» أخيراً، وتحديداً برنامج «في فلك الممنوع» الذي تقدمه ميسلون نصّار. في حلقتها الأخيرة يوم الخميس الماضي، خصصت 17 دقيقة لمقابلة المخرج اللبناني زياد دويري، ونصف ساعة لإدارة ندوة تلفزيونية في الاستديو عينه، لتناول قضية الرقابة على الأعمال السينمائية في بيروت. إنها لعبة خداع بكل ما للكلمة من معنى، حاكتها هذه الحلقة من خلال تجهيل الفاعل، والقضية نفسها التي أثيرت أخيراً حول دويري وفيلمه السابق «الصدمة»، وذهابه الى الكيان المحتلّ ومكوثه هناك لأشهر عدة.


عبر الدقائق المخصصة لدويري، حوّر النقاش بمهارة وحنكة، الى مكان آخر، الى إشكالية الحرب الأهلية في السينما، وتصويرها على أنها من «الخطوط الحمر». انحصر الحديث بفيلم «قضية رقم 23»، وعلاقته بسردية الحرب من جانب اليمين المسيحي وتعمد مخرجه تسليط الضوء أكثر على هذا الشريحة التي كانت بمثابة «العدو» بالنسبة اليه.
المُشاهد لهذا الجزء من في «فلك الممنوع»، يخال أن الجدل في لبنان، سببه هذا الفيلم بالتحديد، وموضوعه الأساس، ويهيأ له بأنّ دويري ضحية رقابة في لبنان، لا تريد فتح ملفات الحرب الأهلية، وأنه بتنفيذه لهذا الفيلم، يكون قد تخطى «الخطوط الحمر» وضرب «المحرّمات».


استضافت زياد دويري ضمن
حلقة تناولت الرقابة على الإبداع!

تستهل نصار مقدمتها بالقول: «مخرجون لبنانيون ضربوا المحرّمات بعرض الحائط، منهم من رميوا بالورد، ومنهم من خوّنوا أحياناً، فباتوا يدافعون عن أنفسهم بدل الترويج لأفلامهم». عبارة تصب في سياق جعل دويري ضحية، وقد بات هو القضية اليوم بدل أن ينعم بفيلمه الجديد. تتحدث ميسلون عن مصادرة جوازي سفر ضيفها، من دون أن تذكر السبب الأساسي له. هكذا، وبحنكة واضحة، وضمن أسئلة «موضوعية» متعلقة فقط بالفيلم الجديد، تطمس المعدّة ومعها القناة القضية الأساس، ولا تذكر ولو لمرة واحدة وحتى عرضاً كلمة «إسرائيل». تستكمل استجوابها لدويري، عن القوانين اللبنانية وكيف يمكن لفنان أن يتخطاها. وهنا، تحصر الصورة فقط، بالحرب الأهلية، من دون أن تربط هذه القوانين بالتطبيع مع العدّو الإسرائيلي.
من خلال هذا اللقاء والتقرير المصوّر الذي عرض في الحلقة، كان واضحاً تركيز النقاش على الحرب كونها من «المحرّمات»، وتقع غالباً «أسيرة الرقابة». قضية الرقابة التي خصص لها الجزء الثاني، وربطت بطريقة غير مباشرة، بقضية دويري، استضافت كلاً من المخرج والفنان روي ديب، والمديرة الفنية لمهرجان «أيام بيروت السينمائية»، زينة صفير، وممثل لجنة «الرقابة على الأعمال السينمائية» المحامي أنطوان زخيا. نقاش طال السلطة الرقابية ومنع الأفلام، وطرح سؤالاً حول السينما اللبنانية بين «الجنس والدين والسياسة: سلطة الفن أم سلطة المقص؟». نقاش دار حول معايير الرقابة، والقيود التي توضع على الفنانين والمبدعين، مع سرد تجربة كل من ديب حول منع فيلمه «بيت البحر»، وصفير حول فيلمها التسجيلي الأول «نكاية بالحرب». مرة جديدة، ومن خلال هذه الندوة، التي تلت مباشرة لقاء دويري، ظهّرت «فرانس 24»، أن قضية دويري اليوم في بيروت، هي قضية رقابة على الفن والإبداع، وأن ما يتهم به مجرد قيود جديدة توضع في معصميه بغية الحدّ من سيل إبداعه، وطرقه باب «المحرمات».
بعدما كانت الميديا ــ إن أرادت تجهيل قضية ما أو التعتيم عليها ــ تركّز بأدواتها الدعائية، على تظهير مواقف الخصوم، وحججهم المتفق عليها سابقاً، ها هي اليوم تسقط القضية كلياً من النقاش، وتحوّرها الى مكان آخر، بطريقة خادعة ومضللة للرأي العام، بغية إسقاط «إسرائيل» من هذه القضية، وتغطيتها بعناوين أخرى، فيذهب النقاش بالتالي إلى مكان آخر!