«أنا هون» معرض فردي جديد للفنان العصامي آرام جوغيان (1959) في «غاليري تانيت»، يقولها بلوحات أكريليكية كبيرة تفوق بغالبيتها المترين عرضاً ويصل بعضها إلى الأربعة أمتار. هل يطرح آرام أسئلة وجوده الفني «هون» عبر الحجم؟ أم عبر التعبير شبه الساركاستي/ التهكّمي أو حتى الكاريكاتوري مضموناً؟ وأين الجديد في كل هذه الأعمال تقنياً وحتى مفهومياً؟


«أنا هون» تعبير مرسوم بخط اليد على Diptyque أي لوحتين منفصلتين متكاملتين، هما أول ما يطالعك في واجهة الغاليري الزجاجية، ناحية المدخل. ربما تختزلان كل مفهوم معرض جوغيان التي تتنوع أعمار لوحاته بين 2015 و2017. هو إذا محاولة إثبات وجود جديدة للفنان العصامي على الساحة اللبنانية. ولكن، أي وجود تحديداً؟ الواقع أن معظم اللوحات التي يعرضها هنا، أقرب إلى النمط الذي خاضت فيه أعماله المزادات العلنية. في هذا المعرض، يصعب قولبة لوحات جوغيان في الاطار التجريدي التعبيري، ولو أنها تميل إليه بخجل، كونها توحي بذلك دون أن تدخل تقنياً في تلك المدرسة. هذا إذا استثنينا استعماله المشرق للون الأصفر الليموني مجاوراً للأخضر الليموني في بعض المساحات واستعماله الأصفر الهندي أيضاً. فالمعادلات اللونية الباقية يضعف فيها التلوين الماكن المضيء التي تُعرف فيه التعبيرية التجريدية، لصالح حضور الخلطات المعكّرة لدى جوغيان، أي ما يجعل اللون يتسخ دون الحفاظ على هويته اللونية بعكس المزج حيث تتعشق العجينة اللونية ببعضها عند الدعك المحكم لضربات الريشة أو المشحاف، فينتج عن هذه العملية التقنية لونٌ جديدٌ نقي وصافٍ أحادي القيمة اللونية، وذو هويةٍ واضحة. وهي عملية خطرة في مادة الاكريليك. إذ تتجه بغالبيتها إلى رماديات غير ماكنة، ويسهل بالتالي اتساخ اللون (أي فقدان هويته). لا ندري ما الاسباب التي تدفع جوغيان لاختيار مادة الاكريليك دون سواها، رغم أن الفنان خاض تجارب هامة جداً على مستوى البحث الطباعي مثلاً. فمن يعرف جوغيان، يدرك أنه كاد أن يخترع نمطاً جديداً في الطباعة الحريرية أو حتى النسخ، بصيغة أقرب ما تكون إلى الطباعة اليابانية التقليدية على الورق. كما أنّ علاقته بالورق، أمتع بصرياً لحركة العين، وأذكى تأليفياً بأشواط من خياراته الاكريليكية. كأن آرام يتكلّم على الورق لغة غير اللغة التي يتكلّمها على الكانفاس، أو عبر مادة الاكريليك.


كاد أن يخترع نمطاً جديداً
في الطباعة الحريرية

لكن بالعودة الى معرضه في «تانيت»، فالمادة - ولو أشار بيانها الفني إلى حالة عاطفية ما- تبدو ساركاستية/ تهكّمية أو حتى كاريكاتورية. في homerun الملوّنة بمادة الأكريليك وتعتبر من أكبر اللوحات المعروضة، نجد للطرافة مثلاً بيتاً على الطريقة «الساذجة» أشبه بـ «إيموتيكون مندهش». ونقرأ كلمات مكتوبة بشكل مموه ككلمة sublime في الجزء العلوي من اللوحة من الوسط باتجاه اليمين. لكن هذه الكتابات لا تقترب حتى من التأليفات والكلمات التي يشكّلها جوغيان نفسه بوضوح على الورق بأسلوبه الطباعي الخاص. أو مثلاً لوحة فيها الكثير من الاخضر والأزرق حيث يخطّ الفنان في وسطها تقريباً «روح النعناع»! لوهلة أولى، نشعر كأنه يعبر بلغة تشكيلية تعبيرية ولكن مستخدماً مفردات لغة أخرى غير متناسبة مع المضامين. العجينة هنا غير مكتملة، والتأليف يوحي أن الفنان كان يريد «ملء الفراغ باللون بالمناسب» (أو بحسب المزاج) ليكمل صياغة كل هذه المساحة الكبيرة التي - والحق يقال- تفرض نفسها وهيبتها على الرائي بشكل بديهي، بسبب الضخامة. ولكن ملء المساحة هذا يكاد يكون أقرب إلى ثرثرة لطيفة تملأ فراغ الوقت، من دون أن تقول شيئاً للرائي. بل ربما لتقول أشياء من الفنان ولنفسه حصراً، وهو شيء حميد بكل الأحوال. فهل هذا بذاته ما أراد إيصاله جوغيان؟ أم أنه فعلاً يملأ فراغاً يسرّه هو فقط دون سواه؟ ثم ربما أراد بغرض البيع أن يتشاركه مع الناس والمقتنين عبر «غاليري تانيت»؟
أين هو آرام جوغيان اللاعب بالألوان والتقنيات؟ المختبِر لكل ما تصل إليه يداه؟ ذاك الذي يكوّن من القشة والزهرة وخيط الحديد تركيبة جمالية لا تخطر على بال؟ أين آرام المنكب على مختلف المواد التلوينية كالعالم في مختبره الكيميائي؟ المنقِّب عن إمكانيات التلوين بمختلف مواده؟ المؤكد أنّ الشغف للفعل الفني موجود، فلا يمكن لفنان أن يقتحم بريشته فضاء هذه اللوحات الكبيرة من دون شغف فني مارد. ولكن الأهم، أي لغة فنية يتكلم هذا الشغف؟ من البديع أن يتكلم الفنان لغات فنية متعددة شرط إتقانها! وإلا فهو واقع لا محالة في أزمة عدم الإتقان، أو الأعوص، في الوسطية التي يلفظها الفن لصالح الهويات المكتملة القوية القادرة الساطعة الصارخة.
وآرام جوغيان الذي بدأ مسيرته منذ عام 1980، عارضاً في بيروت ثم موسكو وباريس والبحرين ودبي والشارقة وغيرها، قد اختار في الأعوام الأخيرة - بحسب ما تفيدنا مديرة الغاليري ميساء أبو رحّال- أن يأخذ محترفاً في منطقة زغرتا، ويتفرّغ للتلوين، ثم كان المعرض. إذاً من الواضح أنّه أراد عن سابق إصرار وتصميم أن يتفرّغ جدّياً لبناء معرض، أو حتى العمل على مجموعة كبيرة من اللوحات. بيد أنّ المفارقة الإضافية في المعرض، أن بيان جوغيان الفني المقتضب والمريح للقارئ، شاعريّ إلى درجة عالية كمعظم التشكيليين من جيله. يقول بالفرنسية ما ترجمته: «بعد جريان الحركات الراقصة التي تغطي اللوحة، يصفف الفنان أشكاله البيومورفية، المغطاة (أو المرتدية) لطلاء خفيف اللمعان، والشفافة كرموز وإشارات (أو علامات) تحدد رؤيتنا. وها نحن، نجد أنفسنا في الحديقة السرية».
إذا هي دعوة غير رسمية لدخول عالم جوغيان، وليس ذهاب جوغيان خارج عالمه للعرض، ما يبرر كل ما ورد سابقاً. أرام جوغيان يرسم لنفسه. لكننا ربما نتدخل في شؤونه الفنية الخاصة عندما يستضيفنا في حديقته السرية. فهل يجوز النقد؟ لمَ ولمن؟

«أنا هون» لآرام جوغيان: حتى 30 أيلول (سبتمبر) ــــ «غاليري تانيت» (مار مخايل) ــــ للاستعلام: 01/562812