في أيلول (سبتمبر) 2012، افتتحت جمعية «مارش»، متحفها الافتراضي إلكترونياً. متحف يضم المصنّفات الأدبية والصحافية والفنية، التي طاولها مقصّ الرقابة اللبنانية تأريخاً منذ عام 1943 إلى ذاك التاريخ. وقتها، «فلشت» الجمعية اللبنانية، هذه المصنّفات الممنوعة لبنانياً، ومررت أخرى، تتعلق مباشرة بالعدو الإسرائيلي، كالحديث عن الطائرة التي أقلّت السينمائي الأميركي فرانسيس فورد كوبولا، ومنع هبوطها في لبنان، لاحتوائها على قطع مصنّعة في «إسرائيل».


وضمن المعروض أيضاً، كتاب توماس فريدمان «من بيروت إلى القدس»، الذي حُظِر أيضاً في لبنان. في حديث مع «الأخبار» قبل خمس سنوات، دعت رئيسة الجمعية ليا بارودي، إلى تعديل القانون اللبناني الذي يحظر التعامل مع الإسرائيلي، متسائلة: «ليس بالضرورة أن تكون إسرائيل دوماً مصدر المسّ بالسلم الأهلي».
المتحف الافتراضي، بات اليوم جوالاً، وقد حطّ أخيراً في «بيت الفن» في طرابلس (الميناء)، على أن يختتم جولته في بيروت بداية الشهر المقبل. يستكمل هذا المتحف تلاعبه بالوعي، ولا سيما عند الجيل الشاب الذي يستقطبه. بخطورة عالية، يدمج عناوين رنانة كحمل لواء الدفاع عن الأعمال الإبداعية، ومقارعة الرقابة، مع موضوع التطبيع مع العدو الصهيوني!


وضع فيلم «المرأة الخارقة» الإسرائيلي مع الأعمال اللبنانية التي تعرّضت للرقابة!

وهنا، نسأل: ماذا يفعل الملصق الإعلاني لفيلم «قضية رقم 23» لزياد دويري في المتحف الافتراضي؟ هل طاولته الرقابة؟ الإجابة حاسمة، فالفيلم يعرض في الصالات اللبنانية، ويحقق نسبة إقبال كبيرة أيضاً. وهنا، لا نستطيع إلا أن نحيل هذا «الفخ» على الجدل الذي أُثير قبل إطلاق هذا الفيلم، وتحديداً في ما يخصّ تطبيع مخرجه مع الكيان المحتل في فيلمه السابق «الصدمة» حيث أقام هناك وتعامل مع ممثلين ومنتجين إسرائيليين، مدافعاً عن فعلته بأنّه كجزء من عمله كسينمائي، ينبغي أن يصوَّر في فلسطين لتحقيق صدقية الشريط!
إلى جانب بوستر دويري، نسأل أيضاً: ما الغاية من وضع ملصق «المرأة الخارقة» الذي منع عرضه في لبنان، لكون بطلته هي الصهيونية غال غادو ملكة جمال الكيان العبري (2004) ومجندة لدى الجيش الإسرائيلي؟ هل يندرج هذا الفيلم أيضاً ضمن الأعمال السينمائية التي طاولها مقص الرقيب ووجب الدفاع عنها؟ ما الغاية من وضع أعمال تندرج مباشرة ضمن قضية التطبيع مع العدوّ، مع أعمال فنية أخرى مثل فيلم «لي قبور في هذه الأرض» (2014) لرين متري، الذي منعته الرقابة، ويتناول قصة «الحرب العقارية» بين الطوائف اللبنانية أو فيلم «إسمعي» لفيليب عرقتنجي، الذي طلبت الرقابة حذف مشهد منه، يتعلق بظهور رجل دين من الطائفة الدرزية، فما كان من عرقتنجي إلا أن موّه هذا الرجل، بدل حذف المشهد؟
النضال ضد الرقابة مطلوب وواجب. تبدأ المشكلة حين نخلط بين حرية التعبير والتطبيع مع اسرائيل. هذا الخلط يسيء إلى المعايير الوطنية، فاسرائيل عدو مغتصب للأرض والحقوق، ومن غير المقبول التعاطي معها كحالة عادية أو دولة جوار... باسم الدفاع عن الحرية. كل الحريات مقدسة، لكن ليس هناك شيء اسمه حرية الخيانة وكل أمم الأرض تطبّق هذا المبدأ!