القرار الملكي بالسماح للمرأة بقيادة السيارة في السعودية، الذي وصف بـ «التاريخي»، طبّلت له كبريات الصحف العالمية قبل العربية والمحلية، بوصفه يندرج ضمن خطة ولي العهد محمد بن سلمان بانتقال المملكة إلى الضفة الليبرالية المنفتحة، وتقديم صورة مختلفة يرضى عنها الغرب، وتستبعد ربما، السياسة الوهابية الحاكمة لمفاصل هذا البلد.


عدا تشدّق العديد من الشخصيات المؤثرة وناشطي المنصات الاجتماعية بهذا القرار، وتهنئة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز بهذا الإنجاز، الذي أرجع فيه ــ ولو متأخراً ــ حقاً مكتسباً وطبيعياً للمرأة السعودية، إلا أن ما نشهده أخيراً في سلسلة الردود والتعليقات على هذا القرار، يأخذنا إلى منحى آخر، يتسم بالتمييز، وأيضاً بالنظرة الدونية والإقصائية والذكورية للمرأة ودورها في المجتمع.
في الساعات الأخيرة، نشط هاشتاغ «#الشعب_يرفض_قيادة_المرأة»، على نسق ما ساد في ثورات «الربيع العربي»، من مطالب الشعوب من حكّامها. هاشتاغ تضمن آلاف التعليقات، التي تدعو إلى الرجوع عن قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، وتنتقد بشدة احتفاء الغرب وإعلامه بهذا القرار. في هذه المساحة الافتراضية، عبّر الناشطون العرب، والرجال تحديداً، عن آرائهم الذكورية التي تنمّط المرأة ضمن دور محدّد، في خدمة زوجها ورعاية أطفالها. دقّ هؤلاء ناقوس الخطر، من أن القرار الملكي، قد يؤدي إلى «خراب البيوت»، واستعانوا بتصريح سابق للأمير نايف بن عبد العزيز، يجزم فيه بأنّ المرأة «لن تقود السيارة وهو حيّ»، ويرى أن مَن «ينادون بحرية المرأة، لا يريدون حريتها بل يريدون الوصول إليها». إذاً، ركز هؤلاء على الشق الشهواني المتعلق بالمرأة وبجسدها، واستُخدم ذريعةً لنقض هذا القرار. والأنكى، نشر فيديو لأحد الدعاة السعوديين، يرى أنّه إذا امتلكت المرأة مفتاح سيارة، ستسقط أي «سلطة لرجل عليها»، وإن صادف أن اتصل بها رجل «فاجر»، و«فاسق» على حدّ قوله، «فما الذي يمنعها من أن تذهب إليه؟»! وبرزت أيضاً في هذا السياق تغريدة المخرج شربل خليل، الذي لم يكن موفقاً في التعليق على قرار المملكة الأخير، فقد عمّم على المرأة السعودية، تحديداً صفة الإرهاب، وجزم بأن كل من تقود سيارة هي بالضرورة «إرهابية» ومركبتها مفخخة!؟
التعليقات الذكورية، الطافحة على مواقع التواصل الاجتماعي، والمسيئة إلى المرأة والمنتقصة من أدوارها وقيمتها الإنسانية والعملية، والمحذّرة من خراب قريب سيهز المجتمع الخليجي، لم تقتصر فقط على عنصر الرجال. دخلت المرأة نفسها في هذا النقاش، وتماهت مع المنظومة الذكورية. وأبرز دليل على ذلك الشريط الذي انتشر أخيراً، وقد صوّرته امرأة مغربية منقبة، دعت فيه «أخواتها» السعوديات إلى رفض هذا القرار، لأن مصدّريه هم «دعاة شهوات»، و«سلب لحقوق الناس». وفي رسالة إلى مشايخ المملكة، توجهت المرأة المغربية بالقول لهم: «حافظوا على نسائكم، واتبعوا الحق» في معقل «الحرمين».